هرمز وباب المندب.. هل تستطيع إيران والحوثيون خنق شرايين الطاقة العالمية؟
مع عودة التصعيد الأميركي-الإيراني إلى مضيق هرمز في نهاية أغسطس/آب 2026، لم يعد السؤال الجوهري: هل تستطيع إيران إغلاق المضيق؟ بل تحول إلى سؤال أكثر إلحاحًا: إلى أي مدى تستطيع طهران تعطيل الملاحة الدولية ورفع كلفة عبورها؟ وما الذي يمكن أن يفعله الحوثيون بالتوازي في باب المندب والبحر الأحمر؟
فالسيطرة على الممرات البحرية في الحروب الحديثة لم تعد تعني احتلالها أو إغلاقها كليًا؛ بل يكفي أحيانًا تحويل الممر الملاحي إلى منطقة عالية المخاطر حتى تتراجع حركة السفن، وتتضاعف تكاليف التأمين والشحن، وتتأثر أسعار النفط والغاز، وتضطرب الأسواق العالمية.
هرمز.. إيران لا تحتاج إلى إغلاق كامل
تقدّم التطورات الأخيرة نموذجًا صارخًا لهذه الاستراتيجية. ففي 30 أغسطس 2026، أعلنت الولايات المتحدة استهداف منصتي إطلاق إيرانيتين في جزيرة لارك، بعدما رصدت استعدادات للحرس الثوري لإطلاق صواريخ محمّلة بألغام بحرية باتجاه المضيق. وردّت طهران بإطلاق صواريخ باليستية نحو قواعد أميركية في الأردن.
تؤكد هذه الحلقة أن الألغام البحرية باتت أخطر أدوات طهران؛ لأنها لا تستلزم وجودًا عسكريًا دائمًا داخل الممر، بل تخلق تهديدًا مستمرًا للسفن حتى بعد زرعها. ورغم أن واشنطن أعلنت إزالة الألغام من الممر الرئيسي وحذّرت من أن أي محاولة جديدة ستواجه ردًا عسكريًا فوريًا، فإن إزالة الألغام لا تعني إزالة الخطر النفسي والسياسي. فطالما تبقّى في أذهان شركات الشحن أن أي عبور قد يصطدم بصاروخ أو لغم أو هجوم مسيّر، ستظل الملاحة التجارية متأثرة، حتى لو بقي المضيق مفتوحًا نظريًا.
وتؤكد حركة السفن ذاتها ذلك: فقد تراجعت أعداد العابرين لهرمز بشكل حاد مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وسُجّلت أيام بأعداد منخفضة جدًا. وفي 27 أغسطس بلغ عدد السفن المرصودة 10، بينما كان متوسط العشرة أيام السابقة 15 سفينة فقط.
السلاح الإيراني الحقيقي ليس الإغلاق، بل جعل المضيق مفتوحًا على الورق ومغلقًا عمليًا أمام جزء كبير من التجارة العالمية.
قدرة إيران: سيطرة أم تعطيل؟
للإجابة عن قدرة إيران على التحكم بحركة الملاحة، لا بد من التفريق بين مفهومين:
· السيطرة العسكرية الكاملة على المضيق.
· التحكم في مستوى المخاطر داخله.
فإيران لا تستطيع ضمان سيطرة مطلقة على كل سفينة، خاصة في مواجهة الوجود البحري والجوي الأميركي والقوات الإقليمية والدولية. لكنها تمتلك أدوات متنوعة تتيح لها تعطيل الملاحة أو خفضها بشكل حاد: الألغام البحرية، الصواريخ الساحلية، الطائرات المسيّرة، الزوارق السريعة، الحرب الإلكترونية، والتهديد باستهداف السفن المرتبطة بخصومها.
يزيد من تأثير هذه الأدوات أن هرمز ممر ضيق استراتيجي؛ فعند أضيق نقطة لا يتجاوز عرضه 21 ميلًا، بينما تبلغ مساحة الممرات المخصصة للسفن في كل اتجاه نحو ميلين فقط. ولذلك، لا تحتاج إيران إلى إيقاف كل سفينة؛ يكفيها أن تجعل نسبة معتبرة من شركات الملاحة تعتبر المرور مخاطرة غير مقبولة.
وهنا يدخل التأمين والشحن في قلب المعركة: فالسفينة التجارية لا تتحرك وفق القدرة العسكرية على حمايتها فحسب، بل وفق حسابات الربح والخسارة. فإن ارتفعت أقساط التأمين إلى مستويات فلكية، أو صارت احتمالات الإصابة أو الاحتجاز عالية، فقد يقرر مالك السفينة ببساطة عدم العبور. وهذا بالضبط هو الإغلاق غير المباشر للمضيق.
لماذا لا تستطيع إيران الإغلاق الدائم؟
رغم قدراتها الكبيرة على التعطيل، فإن الإغلاق الكامل والدائم لهرمز سيكون قرارًا مختلفًا تمامًا، لأسباب عدة:
سيحول الأزمة من ضغط على الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع الاقتصاد العالمي بأسره.
إيران نفسها تعتمد على طرق بحرية وتجارة وطاقة مرتبطة بالمنطقة.
الولايات المتحدة وحلفاؤها يمتلكون قدرات متقدمة في الحرب البحرية، والاستطلاع، وإزالة الألغام، وحماية السفن.
الإغلاق الكامل سيدفع الدول المتضررة إلى توسيع عملياتها العسكرية لاستهداف القدرات الإيرانية المسؤولة عنه.
لذلك، فإن الاستراتيجية الإيرانية المثلى ليست الإغلاق النهائي، بل إبقاء المضيق في حالة توتر دائم: فتح جزئي، تهديد، هجمات محدودة، تفاوض، ثم رفع مستوى التهديد عند الحاجة. وهذا يمنح طهران ورقة تفاوضية أقوى من قرار الإغلاق الكامل.
النفط.. الورقة التي تجعل هرمز أزمة عالمية
تكمن خطورة هرمز في أنه ليس مجرد ممر إقليمي، بل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن تدفقات النفط والسوائل النفطية عبر المضيق بلغت في الربع الثاني من 2026 نحو 4.9 مليون برميل يوميًا، بعدما كانت نحو 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الأخير من 2025، قبل اندلاع الحرب. وهذه الأرقام تكشف حجم الصدمة التي أحدثها الصراع حتى قبل الوصول إلى إغلاق كامل.
كما أعلنت أرامكو أن اضطرابات الحرب منذ فبراير أدت إلى فقدان أكثر من 2.6 مليار برميل من النفط في السوق العالمية، وأن إعادة بناء المخزونات قد تحتاج إلى نحو 18 شهرًا حتى في حال إعادة فتح هرمز فورًا. ولهذا ارتفع خام برنت في أعقاب التصعيد الأخير إلى أكثر من 90 دولارًا للبرميل.
المفاجأة تأتي من اليمن
إذا كانت إيران تضغط على المدخل الشرقي للطاقة العالمية عبر هرمز، فإن الحوثيين يضغطون على المدخل الغربي عبر باب المندب والبحر الأحمر. وهنا تبرز أهمية اليمن بشكل غير مسبوق.
فالسعودية، عندما تعرّضت صادراتها للخطر عبر هرمز، لجأت إلى أنابيب شرق-غرب لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة اسمية تبلغ نحو 5 ملايين برميل يوميًا، قابلة للرفع مؤقتًا إلى 7 ملايين. لكن هذا الحلول يُحدث مشكلة استراتيجية جديدة: إذا استطاعت إيران الضغط على هرمز، واستطاع الحوثيون الضغط على باب المندب، فإن كلا المخرجين البحريين الرئيسيين لخروج الطاقة من الخليج يصبحان تحت التهديد في وقت واحد. وهنا تتحول الجغرافيا اليمنية من عامل إقليمي إلى مؤثر في أمن الطاقة العالمي.
هل يستطيع الحوثيون إغلاق باب المندب؟
كما هي الحال مع إيران في هرمز، لا يحتاج الحوثيون إلى إغلاق عسكري كامل لباب المندب لتحقيق تأثير استراتيجي. فقد أثبتت التجربة أن مجرد استهداف السفن التجارية، أو تهديد ناقلات النفط، أو إعلان حصار بحري، يكفي لدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها.
ففي أغسطس 2026، أدى تصاعد هجمات الحوثيين إلى تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر، وشهدت إحدى الهجمات قرب جزيرة ميون مقتل أربعة من أفراد طاقم سفينة تجارية إضافة إلى اثنين من عناصر الإنقاذ. كما تراجعت حركة بعض السفن النفطية المتجهة عبر البحر الأحمر، واضطرت شركات شحن إلى إعادة توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح أو عبر مسارات بديلة.
والأخطر أن شركات صينية كبرى بدأت بالفعل بإعادة تموضع بعض ناقلاتها لتجنب هرمز وباب المندب، مما يوضح أن التهديد الحوثي لا يؤثر فقط في السفن التي تتعرض للهجوم، بل في قرارات الشركات العالمية بأكملها.
ينبع.. الحلقة الأكثر حساسية
ميناء ينبع ليس مجرد ميناء تصدير نفطي؛ بل يمثل جزءًا من استراتيجية السعودية لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز. ولذا فإن الضغط على ينبع أو على السفن التي تنقل النفط منه عبر باب المندب قد يعيد جزءًا من المشكلة التي حاولت الرياض تجاوزها بأنابيب شرق-غرب.
وقد انخفضت صادرات النفط من موانئ البحر الأحمر السعودية بعد تصاعد الهجمات الحوثية، واضطرت بعض الناقلات إلى تجنب باب المندب واستخدام مسارات بديلة عبر قناة السويس أو خط سوميد.
لكن يجب التمييز بين التهديد والقدرة على الإيقاف الكامل. فالحوثيون يستطيعون تهديد السفن، ورفع تكلفة التأمين، واستهداف منشآت أو ناقلات، وتعطيل جزء من حركة التصدير. لكن إيقاف صادرات ينبع بالكامل وبشكل مستدام يتطلب قدرة عسكرية أكبر بكثير، لأن السعودية تملك وسائل دفاع جوي وبحري، وتغيير مسارات السفن، واستخدام مخزونات وموانئ وطرق بديلة، بينما تستطيع القوى الدولية توفير حماية للممرات البحرية.
المعادلة الأخطر: هرمز + باب المندب
الخطر الاستراتيجي الحقيقي لا يكمن في هرمز وحده ولا في باب المندب وحده، بل في تزامن الضغط على المضيقين.
فإذا بقي هرمز معرضًا للإغلاق أو التعطيل من إيران، وفي الوقت نفسه بقي باب المندب معرضًا لهجمات الحوثيين، فإن الدول المنتجة للطاقة تواجه معضلة مزدوجة: النفط قد يجد طريقًا للخروج من الخليج عبر ينبع، لكنه يظل بحاجة إلى المرور عبر باب المندب للوصول إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية. وهكذا يمكن أن يتحول البحر الأحمر إلى الحلقة التي تعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
وهذه هي المفارقة الجيوسياسية الكبرى: السعودية تستطيع تجاوز هرمز، لكنها لا تستطيع تجاوز الجغرافيا اليمنية بسهولة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
ثمة ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
تسوية تدريجية
وهو الأكثر واقعية إذا أدركت واشنطن وطهران أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى خسائر اقتصادية وسياسية تفوق المكاسب العسكرية. في هذه الحالة قد نشهد فتحًا تدريجيًا للملاحة، ووقفًا لزرع الألغام، وترتيبات أمنية بحرية، وتخفيفًا متبادلًا للضغوط، مع الضغط على الحوثيين لكبح توسع عملياتهم.
حرب استنزاف بحرية
وهو أخطر من الإغلاق الكامل. قد يبقى هرمز مفتوحًا جزئيًا، لكن مع حوادث متكررة، وألغام، وهجمات محدودة، وعمليات اعتراض، بينما يواصل الحوثيون استهداف السفن في البحر الأحمر. هنا لا يحتاج أي طرف إلى تحقيق نصر عسكري؛ يكفي أن تستمر حالة عدم اليقين، مما يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويُذبذب أسعار النفط والغاز، ويُغير مسارات التجارة العالمية،
و يؤدي الى الانفجار الإقليمي
وهو السيناريو الأسوأ إذا نجحت إيران في تعطيل هرمز على نطاق واسع، وردت الولايات المتحدة بضربات كبيرة على القدرات الإيرانية، ثم وسّع الحوثيون عملياتهم إلى باب المندب والمنشآت النفطية السعودية، فقد يتحول الصراع إلى أزمة طاقة عالمية متكاملة، لا تقتصر على إيران وأميركا، بل تشمل السعودية والإمارات وبقية دول الخليج العربي والدول المشاطئة في البحر الأحمر والقوى البحرية الدولية والصين والهند و اليابان و كوريا الجنوبية وغيرها.
الخلاصة: من يملك الممر لا يملك القرار
لا تستطيع إيران ضمان إغلاق هرمز إلى أجل غير مسمى، ولا يستطيع الحوثيون ضمان إغلاق باب المندب كليًا ودائمًا، لكن كلا الطرفين يمتلك قدرة أخطر من الإغلاق الكامل: القدرة على تعطيل الملاحة ورفع كلفة المخاطر، وهذه القدرة وحدها تكفي لإحداث تأثير عالمي، و
إيران تمتلك الموقع الجغرافي والقدرات الصاروخية والألغام البحرية لتهديد هرمز، والحوثيون يمتلكون الموقع الجغرافي على باب المندب والقدرة على استخدام الصواريخ والمسيّرات والوسائل البحرية كالزوراق المفخخة و الألغام البحرية لاستهداف السفن والممرات البحرية من و الى قناة السويس نحو أوروبا وكذلك نحو باب المندب وخليج عدن و باتجاه المستوردين الرئيسين في آسيا؛
وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تستطيع إيران إغلاق هرمز؟ بل:
هل تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها إبقاء هرمز مفتوحًا بصورة اقتصادية وعملية؟
والسؤال الموازي لليمن:
هل يستطيع المجتمع الدولي حماية باب المندب بما يكفي لمنع الحوثيين من تحويله إلى أداة لخنق طرق النفط والتجارة العالمية؟
أما بالنسبة للسعودية، فإن أنابيب شرق-غرب الى ميناء ينبع قد قدّما حلًا استراتيجيًا لتجاوز هرمز، لكن هذا الحل يظل مرهونًا بأمن البحر الأحمر وباب المندب والتهديدات الحوثية للميناء و للملاحة في البحر الأحمر، ومن هنا تبرز الحقيقة الجيوسياسية الأهم:
من يسيطر على هرمز يستطيع الضغط على شريان الطاقة القادم من الخليج، ومن يهدد باب المندب يستطيع الضغط على الطريق الذي يخرج منه هذا النفط إلى العالم،
وبين المضيقين تقف اليمن، ليس مجرد ساحة للصراع، بل موقعًا جغرافيًا قادرًا على التأثير في واحد من أهم معادلات أمن الطاقة والتجارة الدولية، فمستقبل التصعيد في هرمز لن يُحسم في الخليج وحده؛ فجزء مهم من المعادلة قد يُحسم في باب المندب والبحر الأحمر واليمن.