البردوني.. بين حكمة الفيلسوف ومقام الإعجاز

  • أمين الجبر
  • منذ ساعة

يعد الشاعر اليمني الكبير عبدالله البردوني ظاهرة ثقافية وفكرية وأدبية استثنائية، متعددة المواهب، نادرة الحدوث، عصية على التكرار؛ إن لم يكن فلتة فكرية وأدبية بكل ما تعنيه الكلمة، فهو من أولئك الذين يصعب وضعهم في خانة واحدة، أو اختزال تجربتهم في موهبة واحدة، أو الإحاطة بهم من خلال توصيف نقدي عابر.
ولعل أكثر ما يلفت في الكتابة عن البردوني أن كل من يقترب منه يشعر، منذ البداية، بعجز أدواته عن الإيفاء بحقه؛ وكأن قامته أكبر من أن تستوعبها مفردات الوصف، وأوسع من أن يحيط بها خطاب المديح. وليس ذلك لأن البردوني أكبر من مجرد الوصف فحسب، وإنما لأنه كان كبيرا بذاته، لا يحتاج إلى مدح، وعملاقا بحضوره، لا يستمد قامته من إطراء الآخرين.
حرفه شعر، ونطقه فلسفة، وحكمياته خلاصة تجربة وتأمل، ورؤاه السياسية والاجتماعية كثيرًا ما سبقت زمنها، حتى بدا في بعض تنبؤاته وكأنه يقرأ المستقبل من خلال فهم عميق للحاضر.
ما من مجال ولجه البردوني إلا ترك فيه بصمته الخاصة؛ أبحر في الشعر، والسياسة، والتاريخ، والنقد، والفكر، والثقافة، واللغة، والمجتمع، دون أن يبدو عابرًا في أي منها. ولا يضاهيه قاموسيا إلا قاموسه، ولا يجاريه في العمق التأملي إلا فكره، ولا يكاد يؤطره منهج واحد، أو تحتويه أيديولوجيا محددة؛ فقد ظل عصيا على التصنيف، متمردا على القوالب، واسع الرؤية، حر التفكير، نافذ البصيرة.
في الشعر، امتلك البردوني ناصية اللغة امتلاكا نادرا، وتفرد في التلاعب باللفظ، وتركيب الصورة، وصياغة الدلالة، وبناء المفارقة، حتى بدا وكأنه لا يستخدم اللغة بقدر ما يعيد اكتشاف إمكاناتها. وقد استطاع أن يجعل من الرمز والإيحاء والسخرية والمفارقة أدوات فنية لإنتاج معنى يتجاوز ظاهر النص إلى طبقاته العميقة.
ولذلك لم يكن البردوني مجرد شاعر مجيد، بل كان صاحب مدرسة شعرية متفردة؛ مدرسة لا تقوم على محاكاة السابقين، ولا على استنساخ نماذج الآخرين، وإنما على صناعة صوت شعري خاص، استطاع أن يجمع بين جزالة التراث وحساسية العصر، وبين الحكمة الشعبية والعمق الفلسفي، وبين السخرية المريرة والتأمل الإنساني.
وفي السياسة، لم يكن مجرد شاعر يعلق على الأحداث، وإنما كان قارئا حصيفا للمشهد السياسي، ومحللا يمتلك قدرة لافتة على استشراف مآلات الأحداث. كان ينظر إلى السياسة بعين الخبير لا بعاطفة المتحزب، ويقرأ الوقائع في سياقاتها، ويستخلص من مقدماتها نتائجها المحتملة.
ولذلك جاءت بعض رؤاه السياسية وكأنها نبوءات؛ لا بمعناها الغيبي، وإنما بمعنى القدرة الاستثنائية على قراءة الحاضر واستنتاج المستقبل. كان يرى ما لا يراه كثيرون، ويقول ما يتردد الآخرون في قوله، ولا يجامل سلطة، ولا يحابي حزبا، ولا يسمح للأهواء أن تصادر بصيرته النقدية.
وفي التاريخ، كان البردوني مؤرخا من نوع مختلف؛ لم يقف عند سرد الأحداث، ورصد الوقائع، وتسجيل المواقف، وإنما تجاوز ذلك إلى البحث في خلفياتها، واستنطاق أسبابها، وتحليل دوافعها، واستكناه ما وراء الظاهر منها.
ولهذا يصح النظر إلى تجربته التاريخية بوصفها محاولة للخروج بالتاريخ من مجرد التسجيل إلى التأمل، ومن سرد الحدث إلى تفسيره، ومن رصد الوقائع إلى مساءلتها. وفي هذا السياق يمكن قراءة كتابه «اليمن الجمهوري» بوصفه نموذجا بارزا لهذا المنهج؛ فهو لا يقدم تاريخا للأحداث فحسب، وإنما يقدم قراءة نقدية وفكرية لها، ويعيد النظر في كثير من المسلمات والتصورات التي سادت حول التاريخ اليمني الحديث والمعاصر.
ومن هنا يمكن القول إن البردوني لم يكن مؤرخا تقليديا بالمعنى المدرسي الصارم، بقدر ما كان مفكرا يتخذ من التاريخ مادة للتأمل، ومن الحدث مدخلا لفهم الإنسان والمجتمع والسلطة. وربما كان أقرب إلى فيلسوف للتاريخ منه إلى مجرد مؤرخ يسجل الوقائع.
أما سخرياته، فلم تكن مجرد نزوع إلى الإضحاك أو التندر، وإنما كانت أداة نقدية حادة، وظفها في كشف الاختلالات، وتعريه المفارقات، ومواجهة ما يراه اعوجاجا في السلوك أو الفكر أو السياسة. كان يضحك من الأشياء كي يكشف حقيقتها، ويسخر من الظاهرة كي يعرّي ما وراءها.
حتى ما عرف من مجونياته لا ينبغي قراءته خارج سياقه الإنساني والفكري؛ فهي، في جانب منها، استدعاء للطبيعة البشرية بكل تناقضاتها وغرائزها ونزوعاتها، ومحاولة للنظر إلى الإنسان كما هو، لا كما يحب أن يظهر أمام الآخرين. فالطبيعة الإنسانية عند البردوني ليست ملائكية مصطنعة، وإنما كائن مركب من الرغبة والضعف، والقوة والانكسار، والطموح والنقص.
أما حكمه، فهي ربما أكثر ما يكشف عن البعد الفلسفي في شخصيته؛ لأنها لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تفتح أسئلة جديدة. إنها فلسفة تأملية تبحث عن معنى، وتروم يقينا؛ معنى يشبع الشك، ويقينا يطمئن القلق.
ولهذا كان البردوني، في تأريخه، أقرب إلى نبض الشعب منه إلى انتقاء النخبة، وإلى الصوت المجتمعي منه إلى الصدى الرسمي. ظل منحازا إلى الإنسان اليمني البسيط، إلى معاناته وأسئلته وأحلامه، ولم يسمح للموقع أو السلطة أو الإغراء أن يحوله إلى بوق رسمي.
وهنا تكمن إحدى عظمة البردوني: أنه لم يكن كبيرا في الشعر وحده، ولا في اللغة وحدها، ولا في السياسة وحدها، وإنما كان مشروع عقل كامل، تتقاطع داخله مواهب متعددة، وتتجاور فيه الشاعرية مع الفلسفة، والتاريخ مع النقد، والسخرية مع الحكمة، واللغة مع الفكر.
ولهذا يصعب على النقاد والكتاب الإحاطة به إحاطة كاملة؛ لأنك كلما ظننت أنك أمسكت بجانب منه، أفلت منك جانب آخر. وإذا وصفته شاعرا فقد ظلمت المؤرخ فيه، وإذا وصفته مؤرخا أغفلت الفيلسوف، وإذا وصفته مفكرا غفلت عن الأديب، وإذا وصفته ناقدا لم تستوعب الشاعر الذي يسكنه.
لقد كان البردوني، ببساطة، أكبر من التخصص الواحد، وأوسع من التصنيف الواحد.
وربما كان أكثر ما يميزه أنه رفض أن يكون صوتا مستأجرا، رغم ما كان يمكن أن يحيط به من مغريات وعطايا، واختار أن يكون صوتا حرا، صادحا بهموم شعبه وقضايا أمته، حتى دفع ثمن ذلك من راحته ومكانته، لكنه ربح ما هو أبقى: ربح استقلال الكلمة، وحرية الموقف، وخلود الأثر.
وأي صوت كان ذلك الصوت!
وأي شاعر وأديب ومفكر كان ذلك الرجل!
لقد بلغ البردوني في بعض تجلياته الأدبية والفكرية منزلة تجعل مقارنته بكبار الحكماء والفلاسفة أمرا مفهوما، لا من باب المبالغة المجانية، وإنما بالنظر إلى عمق حكمته، ونفاذ بصيرته، واتساع رؤيته، وقدرته النادرة على تحويل التجربة اليومية إلى سؤال فلسفي، والحدث العابر إلى دلالة، والكلمة إلى موقف.
أما وضعه في مقام المعجزات، فذلك مقام للأنبياء وحدهم؛ غير أن البردوني كان، في ميدان الموهبة الإنسانية، استثناء نادرا، وفلتة يصعب أن تتكرر.
إنه البردوني وكفى؛ فلتة زمانه، ونابغة عصره، وأحد أولئك الذين لا يكفي أن نقول عنهم إنهم كبار، لأن الكبار كثيرون، بينما هو من أولئك الذين يجعلون للكبر معنى آخر.
وربما لن يكرر الزمان البردوني مرة أخرى؛ لا لأن الإبداع قد انتهى، وإنما لأن بعض المواهب تأتي في لحظة تاريخية استثنائية، فتلتقي فيها الموهبة الفذة بالتجربة القاسية، والثقافة الواسعة بالذكاء الحاد، واللغة بالشعر، والحكمة بالتجربة، فيولد منها إنسان يصعب أن يتكرر.
وهكذا يبقى البردوني واحدا من أعظم الظواهر الثقافية في تاريخ اليمن الحديث؛ شاعرا لا يشبه إلا نفسه، ومفكرا عصيا على التصنيف، ومؤرخا يكتب بعين الفيلسوف، وناقدا يتكلم بلسان الشاعر، وإنسانا جعل من الكلمة وطنا، ومن الحرية موقفا، ومن الحقيقة قضية.

ذات صلة