باب المندب وقناة السويس: معركة لا تهدد الملاحة بل تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي

  • أ.د. عبدالوهاب العوج
  • منذ ساعتين

لم يعد التصعيد الحوثي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب شأناً يمنياً محلياً، ولا مجرد فصل من فصول الصراع الإقليمي الممتد في المنطقة، بل تحوّل أمن هذا الممر البحري الحيوي إلى قضية إقليمية  ودولية ترتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي لجمهورية مصر العربية، واستقرار الملاحة والتجارة الدولية، وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا وغيرها.

وتنبع أهمية باب المندب من موقعه الجغرافي الذي يجعله البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، فيما تمثل قناة السويس بوابته الشمالية إلى البحر المتوسط، ولذلك فإن أي اضطراب مستمر في باب المندب لا يتوقف أثره عند سواحل اليمن، بل يمتد شمالاً ليصل إلى قناة السويس والاقتصاد المصري، وجنوباً وشرقاً ليؤثر في حركة التجارة والطاقة بين المحيط الهندي وأوروبا.

باب المندب.. البوابة الجنوبية لقناة السويس

تُعد قناة السويس واحدة من أهم الأصول الاستراتيجية والاقتصادية لمصر، ومصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي. غير أن سلامة القناة لا تعتمد على أمن المجرى الملاحي داخل الأراضي المصرية وحده، وإنما تبدأ عملياً من ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.

وقبل موجة التصعيد التي بدأت أواخر عام 2023، كان طريق البحر الأحمر وقناة السويس من أهم الطرق البحرية التي تربط المصانع والأسواق الآسيوية بالمستهلكين في أوروبا. وكان الممر يستوعب نسبة كبيرة من تجارة الحاويات العالمية، إضافة إلى حركة مهمة من شحنات النفط والمنتجات البترولية والسلع الصناعية والغذائية.

لكن الهجمات الحوثية على السفن التجارية أدخلت معادلة جديدة إلى حركة الملاحة الدولية. فالشركات البحرية الكبرى اضطرت في فترات مختلفة إلى إعادة توجيه سفنها بعيداً عن البحر الأحمر، واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا.

وهنا ظهرت المفارقة الاقتصادية: السفينة التي تتجنب باب المندب لا تعبر قناة السويس، وبالتالي فإن كل تهديد للممر الجنوبي يتحول بصورة غير مباشرة إلى خسارة مباشرة لقناة السويس.

قناة السويس تدفع ثمن اضطراب باب المندب

أبرز الآثار التي أصابت مصر تمثلت في تراجع إيرادات قناة السويس بعد أن كانت قد سجلت مستويات قياسية قبل اندلاع أزمة الملاحة في البحر الأحمر.

ولا تقتصر المشكلة على انخفاض رسوم العبور فقط، بل تمتد إلى خسارة تدفقات مهمة من العملة الأجنبية، في وقت يمثل فيه الدولار والسيولة بالنقد الأجنبي عنصراً حاسماً في قدرة الاقتصاد المصري على تمويل الواردات وخدمة الالتزامات الخارجية.

كما أن انخفاض عدد السفن العابرة للقناة يعني تراجعاً في النشاط المرتبط بالخدمات البحرية واللوجستية والموانئ، فضلاً عن التأثيرات الأوسع الناجمة عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تنظر القاهرة إلى أمن البحر الأحمر وباب المندب باعتباره امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري، وليس ملفاً بعيداً عن حدودها.

رأس الرجاء الصالح.. البديل الأكثر كلفة

عندما تختار شركات النقل البحري طريق رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس، فإنها لا تتخذ قراراً أمنياً فقط، بل قراراً اقتصادياً مكلفاً.

فالطريق الأطول يعني استهلاكاً أكبر للوقود، وزيادة في أجور الطواقم والتشغيل، وارتفاعاً في أقساط التأمين، وتأخيراً في وصول البضائع، وزيادة الحاجة إلى السفن لتغطية الدورة التجارية نفسها.

وتتحول هذه الزيادة في التكلفة تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات. وبالتالي فإن أزمة باب المندب لا تبقى محصورة في شركات الملاحة، بل تنتقل إلى المستورد والمصنع والمستهلك.

وهنا تكمن خطورة استمرار التصعيد: فالمشكلة ليست في حادثة بحرية منفردة، وإنما في قدرة التهديد المتكرر على تغيير سلوك شركات الملاحة العالمية لفترة طويلة.

البعد الزمني للأزمة: فوضى متراكمة وليست طارئة

من المهم ألا ننظر إلى التصعيد الحوثي في البحر الأحمر كحادث عارض أو رد فعل لحظي على متغيرات إقليمية. فهذا التصعيد جاء بعد سنوات من الفوضى وغياب الدولة في اليمن، مما جعل السواحل اليمنية بيئة حاضنة للجماعات المسلحة وقاعدة خلفية لتهديد الممرات الدولية.

فالفراغ الأمني والسياسي الذي خلفه الصراع اليمني لم يترك مجالاً لأي قوة محلية قادرة على فرض النظام في المياه الإقليمية، بل خلق مناخاً ملائماً للجماعة الحوثية لتطوير قدراتها البحرية والصاروخية، والانتقال من التهديد المحلي إلى الابتزاز الإقليمي والدولي.

وهذا يعني أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تكون سطحية أو عسكرية مؤقتة، بل تحتاج إلى فهم تراكمي لسنوات من التفكك اليمني، وإدراك أن أمن البحر الأحمر مرتبط عضوياً باستقرار الدولة اليمنية.

الحوثيون: من الجغرافيا اليمنية إلى الاقتصاد العالمي

استطاعت جماعة الحوثي، من خلال استهداف السفن وتهديد الملاحة، أن تنقل جزءاً من الصراع اليمني إلى المجال البحري الدولي وهذا يبين الدعم المتصاعد من الحرس الثوري الإيراني لمليشيات الحوثي لخنق الاقتصاد العالمي تخفيفا للضغوط الأمريكية عليها و بخاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة خنق اقتصادي لإيران لتغيير موقفها السياسي وضرورة فتح مضيق هرمز بالكامل وتنفيذ بقية الشروط الأمريكية التي قامت بسببها الحرب في فبراير  2026.

وهذا التحول منح الجماعة ورقة ضغط تتجاوز بكثير حجمها الجغرافي والديموغرافي، لأن استهداف ممر بحري ضيق يمكن أن تكون له تداعيات على اقتصادات دول بعيدة آلاف الكيلومترات عن اليمن.

لكن هذه الورقة تحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة على اليمن نفسه؛ إذ إن استمرار اضطراب الملاحة قد يؤدي إلى مزيد من عسكرة البحر الأحمر، وزيادة التدخلات الدولية والإقليمية، وتوسيع نطاق المواجهة، وتحويل السواحل اليمنية إلى ساحة تنافس عسكري واستراتيجي مفتوحة.

والأكثر إيلاماً أن اليمن نفسه يدفع ثمن هذه الأزمة يومياً، إذ تعتمد غالبية احتياجاته الغذائية والطبية على الاستيراد عبر الممرات البحرية نفسها التي يهددها التصعيد. فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء في بلد يعاني أصلاً من أزمة إنسانية هي الأكبر في العالم. وبذلك يصبح اليمن ضحية أزمته قبل أن يكون فاعلاً فيها.

وهكذا يواجه اليمن معادلة شديدة الخطورة: فكلما اتسعت قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، اتسعت في المقابل دوافع القوى الإقليمية والدولية للتدخل لحماية مصالحها البحرية، وتعمقت معاناة الشعب اليمني نفسه.

مصر أمام معادلة الأمن والاقتصاد

بالنسبة لمصر، لا يمكن فصل الأمن البحري عن الأمن الاقتصادي.

فالقاهرة لديها مصلحة مباشرة في إعادة حركة الملاحة إلى البحر الأحمر وقناة السويس إلى مستوياتها الطبيعية، ليس فقط لتعظيم إيرادات القناة، وإنما للحفاظ على مكانتها باعتبارها محوراً رئيسياً في التجارة العالمية.

ومن هنا فإن أي تحالف إقليمي أو دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر يمكن أن يمثل لمصر فرصة استراتيجية، شريطة أن يكون هدفه الأساسي حماية حرية الملاحة ومنع تحويل الممرات الدولية إلى أدوات للصراع السياسي.

كما أن الموقع الجغرافي لمصر، وقدراتها البحرية، وإشرافها على قناة السويس، يجعلها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات طويلة الأمد لأمن البحر الأحمر.

التحالفات البحرية.. هل هناك إرادة سياسية كافية؟

إن بروز تحالفات بحرية إقليمية أوسع لمواجهة مخاطر الملاحة يعكس تحولاً مهماً في طبيعة التعامل مع البحر الأحمر.

فبعد أن كانت حماية الملاحة تعتمد بدرجة كبيرة على ترتيبات تقودها الولايات المتحدة أو القوى الأوروبية، بدأت تظهر الحاجة إلى صيغة إقليمية تشارك فيها الدول المطلة على البحر الأحمر والدول الأكثر ارتباطاً بالتجارة والطاقة.

وتبرز السعودية ومصر بصورة خاصة في أي ترتيبات من هذا النوع، بحكم الموقع الجغرافي والقدرات العسكرية والمصالح الاقتصادية المباشرة.

كما يمكن لتركيا وباكستان ودول أخرى أن تضيف بعداً عسكرياً وسياسياً مهماً، إذا انتقلت المشاركة من الدعم السياسي إلى التعاون العملياتي وتبادل المعلومات والتدريب والتنسيق البحري.

غير أن نجاح أي تحالف لن يقاس بعدد الدول التي تعلن المشاركة فيه، وإنما بقدرته على تجاوز الخلافات الإقليمية والبناء على المصالح المشتركة، فالسؤال الأصعب اليوم هو هل هناك إرادة سياسية حقيقية لكي تضع الدول المتنافسة إقليمياً خلافاتها جانباً وتعمل تحت مظلة أمن بحري موحد؟
أم أن الأزمات الإقليمية الأخرى ستظل عائقاً أمام أي تعاون طويل الأمد؟

وبنفس القدر، لن يقاس النجاح بقدرته على بناء منظومة حقيقية للإنذار المبكر، وحماية السفن، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعامل مع التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ومنع تهريب الأسلحة، مع تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.

اليمن في قلب المعادلة والمفارقة أن اليمن، الذي يمتلك أطول ساحل على البحر الأحمر بين دول شبه الجزيرة العربية، أصبح الطرف الأقل قدرة على التحكم في أمن مياهه الإقليمية.

ولهذا فإن استعادة الدولة اليمنية لسيطرتها على سواحلها وموانئها وممراتها البحرية ليست قضية سيادية يمنية فحسب، وإنما جزء من منظومة الأمن الإقليمي والدولي.

ومن هذه الزاوية، فإن دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً لبناء قدراتها البحرية وخفر السواحل، وتطوير منظومة مراقبة السواحل، ومكافحة تهريب الأسلحة، ينبغي أن يكون جزءاً من أي استراتيجية طويلة الأمد لأمن البحر الأحمر.

فالمعالجة العسكرية المؤقتة قد تمنع بعض الهجمات، لكنها لا تعالج أصل المشكلة ما لم تُستكمل ببناء دولة يمنية قادرة على فرض سيادتها على أراضيها ومياهها الإقليمية.

هل يستطيع الحوثيون خنق قناة السويس؟

من الصعب القول إن الحوثيين يستطيعون بمفردهم إغلاق قناة السويس، لأن القناة تقع تحت السيادة المصرية، ولأن حماية مدخلها الشمالي وقدرات مصر البحرية والعسكرية تجعل استهداف القناة بصورة مباشرة أمراً مختلفاً تماماً عن تهديد السفن في باب المندب، لكن الحوثيين يستطيعون التأثير في القناة بطريقة غير مباشرة، وهي الأكثر واقعية والأكثر كلفة اقتصادياً وهذا الامر يحقق للحرس الثوري الإيراني ما تريده من خنق الاقتصاد العالمي وجعل مضيق  هرمز  وباب  المندب رهينة لها ومن هنا نفهم طبيعة التصعيد الحوثي مما يجعل شركات الملاحة العالمية تعتبر البحر الأحمر وباب المندب منطقة عالية المخاطر.

وهذا يكفي لدفع السفن إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح كما شهدنا خلال الأشهر و السنوات  الماضية، ومن هنا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في "إغلاق باب المندب"، وإنما في إقناع شركات الملاحة بأن المرور من باب المندب لم يعد آمناً أو اقتصادياً.

وهذه نقطة جوهرية في فهم العلاقة بين الحوثيين وقناة السويس.

وخلاصة القول ان أمن باب المندب والبحر الأحمر يبدأ من اليمن وينتهي عند قناة السويس

إن استمرار التصعيد الحوثي في البحر الأحمر يعيد تعريف الصراع اليمني باعتباره جزءاً من معادلة أمن بحري واقتصادي أوسع، فباب المندب ليس ممراً يمنياً أو إقليمياً فقط، وقناة السويس ليست مجرد قناة مائية مصرية؛ كلاهما يمثلان حلقات متصلة في شريان تجاري عالمي واحد.

ولهذا فإن أي استراتيجية للتعامل مع الأزمة يجب أن تقوم على ثلاثة مسارات متوازية: 
 

1. ردع التهديدات التي تستهدف الملاحة.

2. بناء منظومة أمن بحري إقليمية فعالة تتجاوز الخلافات السياسية.

3. معالجة جذور الأزمة اليمنية بما يضمن استعادة الدولة لسيادتها على سواحلها ومياهها الإقليمية.

أما استمرار التعامل مع الهجمات الحوثية باعتبارها مجرد مشكلة أمنية محدودة في اليمن، فهو تجاهل لحقيقة جغرافية واقتصادية واضحة: ما يحدث في باب المندب يصل أثره إلى قناة السويس، وما يصيب قناة السويس ينعكس على الاقتصاد المصري والتجارة العالمية، وما يحدث في اليمن من معاناة إنسانية يتضاعف بفعل هذه الأزمة ذاتها.

سؤال يبقى مفتوحاً:
هل الحلول الأمنية والتنسيق البحري الإقليمي كافية وحدها لضمان استقرار الملاحة في البحر الأحمر، أم أن استعادة الدولة اليمنية لسيادتها على سواحلها هي الشرط الأساسي لأي استقرار دائم؟

في النهاية، معركة البحر الأحمر ليست فقط معركة على سفينة أو ميناء أو مضيق، وإنما معركة على حرية الملاحة، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومكانة قناة السويس في النظام التجاري العالمي، وقبل كل ذلك معركة على مستقبل اليمن نفسه.

ولهذا فإن حماية باب المندب ليست مصلحة يمنية أو مصرية أو سعودية منفردة، بل مسؤولية إقليمية ودولية، تبدأ بإيقاف تحويل الممرات البحرية الدولية إلى أدوات للابتزاز والصراع، وتنتهي بإقامة منظومة أمن بحري مستقرة ومستدامة في البحر الأحمر وخليج عدن، لا تترك اليمن وحيداً في مواجهة أزمته.

ذات صلة