ماذا بعد الهجوم الحوثي على معسكرات الشرعية؟.. قراءة أولية للأبعاد العسكرية والجيوسياسية

  • أ.د. عبدالوهاب العوج
  • منذ ساعة

شهدت منطقة العبر بمحافظة حضرموت، ومنطقتا الرويك والثنية بمحافظة مأرب، يوم الخميس 6 أغسطس 2026، هجوماً حوثياً استهدف قوات الطوارئ واللواء 23 ميكا، باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة. وأسفر الهجوم، بحسب مصادر عسكرية ووسائل إعلام يمنية وعربية متعددة، عن مقتل نحو 45 عنصراً من القوات الحكومية وإصابة عشرات آخرين.

يمثل هذا الهجوم أحد أبرز التطورات الميدانية منذ سريان هدنة الأمم المتحدة في أبريل 2022، من حيث حجم الخسائر البشرية، واتساع نطاق الاستهداف، وتوقيته الحساس، ويأتي في سياق أمني وسياسي بالغ التعقيد، يتسم بجمود مسار التسوية اليمنية، وتشابك الأبعاد المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية، ولا سيما في ظل التوترات المستمرة في البحر الأحمر وخليج عدن، ويعيد الحدث تسليط الضوء على هشاشة حالة التهدئة القائمة، مؤكداً أن غياب الاتفاق السياسي الشامل يبقي احتمالات التصعيد مفتوحة.

وتقتضي القراءة التحليلية للأبعاد السياسية والاستراتيجية الأوسع لهذا الهجوم وضعه في سياقه اليمني والإقليمي، واستجلاء ما يكشفه عن طبيعة المرحلة الراهنة من الصراع، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على جهود السلام وأمن البحر الأحمر وباب المندب. كما تستدعي الظروف الراهنة مقاربة موضوعية لدلالات التصعيد في إطار التحولات الجيوسياسية بالمنطقة، مع التركيز على التحديات التي تواجه مسار بناء الدولة وإعادة إطلاق عملية سياسية مستدامة.

ومن ثم، لا ينبغي النظر إلى هذا الهجوم بوصفه حادثة عسكرية معزولة أو عملية انتقامية محدودة، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة من إدارة الصراع في اليمن، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الإقليمية والدولية، وتتشابك الحرب البرية مع معركة البحر الأحمر وخاصة بعد استهداف سفن سعودية واغراق سفينة هندية وغيرها من الاعمال الارهابية في البحر الأحمر، وذلك في ظل بيئة استراتيجية تفتقر إلى منظومة ردع متكاملة قادرة على تغيير حسابات الفاعلين المسلحين.

كما يكشف الهجوم عن استمرار تحول الصراع اليمني من حرب تقليدية تعتمد على خطوط المواجهة المباشرة إلى حرب متعددة المجالات، تُستخدم فيها الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والاستخبارات الدقيقة، والحرب النفسية والإعلامية، بصورة متزامنة. وهذا يستدعي إعادة تقييم شاملة لمفهوم الأمن العسكري وإدارة العمليات لدى الحكومة اليمنية والتحالف الداعم لها.

الخلفية المباشرة والسياق

تُعد قوات الطوارئ (الفرقة الأولى وغيرها) تشكيلاً عسكرياً حديثاً نسبياً، مدعوماً سعودياً، وتغلب على عناصره الصبغة السلفية كما يُقال، وتخضع لتنسيق مع القوات المشتركة، وتنتشر هذه القوات في مناطق حساسة، مثل الحدود مع المملكة العربية السعودية و الطرق الدولية والمناطق الصحراوية، لأداء مهام أمنية وعسكرية تشمل تأمين خطوط الإمداد ومكافحة التهريب والتسلل.

وقبل الهجوم بثلاثة أيام تقريباً (حوالي 3 أغسطس)، نفذت قوات الطوارئ حملة أمنية مشتركة في مديرية العبر، أسفرت عن ضبط معمل لتصنيع المتفجرات والعبوات الناسفة مرتبط بجماعة الحوثي، والقبض على مطلوبين أمنيين، وقد ربطت اللجنة الأمنية في حضرموت وقيادة قوات الطوارئ الهجوم مباشرةً بما وصفته بردّ انتقامي على تلك النجاحات الأمنية، وملاحقة شبكات التهريب والخلايا المرتبطة بالحوثيين.

في المقابل، أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين تنفيذ "عملية عسكرية واسعة ونوعية" استهدفت تحشيدات عسكرية في الرويك والعبر والثنية، ومعسكرات الفرقة الأولى والثالثة طوارئ، بعد رصد تحركات عسكرية، باستخدام عدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

وجاء الهجوم أثناء تجمع القوات داخل المعسكرات، وتزامن، وفقاً لروايات غير مؤكدة رسمياً، مع تدريب صباحي أو إجراءات صرف المرتبات، لكن مجرد وجود تجمعات بشرية كبيرة داخل مواقع مكشوفة كفيل برفع حجم الخسائر البشرية بصورة كبيرة، بصرف النظر عن صحة تلك الروايات.

لماذا وقع الهجوم في هذا التوقيت؟

يطرح توقيت العملية تساؤلات استراتيجية، إذ يصعب تفسيره في إطار الانتقام المباشر فقط، رغم أن نجاح القوات الحكومية في تفكيك بعض الخلايا وضبط معامل المتفجرات قد يشكل دافعاً مباشراً، غير أن القراءة الأوسع تشير إلى سعي الجماعة لتحقيق مجموعة من الأهداف المتزامنة:

أولاً، إعادة تثبيت صورتها كطرف يمتلك المبادرة العسكرية، بعد أشهر من انشغالها بالتصعيد في البحر الأحمر وخليج عدن، بما يؤكد قدرتها على إدارة أكثر من جبهة في الوقت نفسه.

ثانياً، توجيه رسالة إلى الحكومة اليمنية، فحواها أن إعادة بناء تشكيلات عسكرية جديدة أو تعزيز القوات في المحافظات الشرقية لن يمنع الجماعة من الوصول إلى تلك المواقع متى توافرت المعلومات الاستخباراتية المناسبة والامكانيات العسكرية مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وغيرها والتي أصبحت بحوزتها سواء بخبراء إيرانيين او يمنيين.

ثالثاً، إرسال رسالة إقليمية إلى السعودية، بأن مناطق الإسناد والتمركز القريبة من الحدود وخطوط الإمداد ليست بعيدة عن دائرة الاستهداف، وأن الجماعة ما تزال تمتلك القدرة على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بالمملكة العربية السعودية خدمة لإيران، وإن لم يكن المقصود بشكل مؤكد فتح مواجهة مباشرة معها في هذه المرحلة.

رابعاً، حمل الهجوم رسالة إلى المجتمع الدولي، مضمونها أن الأزمة اليمنية ما تزال بعيدة عن الاستقرار، وأن الجماعة قادرة على الانتقال بين العمليات البحرية والبرية دون أن تفقد توازنها العملياتي، مما يمنحها أوراق ضغط إضافية في أي مسار تفاوضي مستقبلي.

وعليه، لا يمثل الهجوم مجرد رد فعل تكتيكي، بل يعكس محاولة لإعادة تشكيل ميزان المبادرة العسكرية والنفسية في الحرب اليمنية، وإثبات أن الجماعة قادرة على فرض توقيت وإيقاع التصعيد.

التصعيد يتجاوز الانتقام الأمني

يُعد هذا الهجوم أخطر تصعيد ميداني منذ هدنة الأمم المتحدة في أبريل 2022، ويتزامن مع استمرار هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، واستغلال فترات التهدئة لإعادة بناء القدرات العسكرية والتقنية.

لكن القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن الأمر يتجاوز الانتقام الأمني الضيق إلى حسابات أعمق، إذ يبدو أن الحوثيين يعملون وفق مفهوم "تعدد ساحات الضغط"، بحيث لا تصبح الجبهة البحرية بديلاً عن البرية، ولا العكس، بل يجري تشغيلهما بصورة متوازية، بهدف تشتيت جهود الخصوم وإرباك أولوياتهم. فبينما تنشغل القوى الدولية بحماية الملاحة في البحر الأحمر، تظل الجبهة الداخلية قابلة للاشتعال في أي وقت، مما يرفع كلفة إدارة الصراع على الحكومة والتحالف، ويمنح الحوثيين مرونة استراتيجية في اختيار توقيت ومكان التصعيد.

كما أن غياب الردع الحقيقي لدى الطرف المقابل يجعل التصعيد خياراً منخفض الكلفة بالنسبة للحوثيين، الذين لا تحكمهم اعتبارات الدولة التقليدية بقدر ما تحكمهم حسابات المكسب العسكري والسياسي، مما يسمح لهم بالمبادرة متى رأوا أن البيئة العملياتية مواتية.

التداعيات السياسية والجيوسياسية للهجوم

إذا كان الهجوم قد حقق أثراً عسكرياً مباشراً وانتصاراً إعلامياً لدى مليشيات الحوثي والداعمين له، فإن انعكاساته السياسية قد تكون أكثر أهمية على المدى المتوسط والبعيد، إذ تأتي هذه الحادثة في مرحلة جمود نسبي في مسار التسوية، وتراجع زخم المبادرات السياسية، وغياب اتفاق شامل ينهي حالة اللاسلم واللاحرب التي تعيشها البلاد. وقد يدفع ذلك الحكومة اليمنية إلى سد الثغرات الاستخباراتية، ومزيد من الاهتمام بالتسليح النوعي، وإيلاء أهمية أكبر لدور المسيرات والحرب الإلكترونية في أي معركة تحرير لليمن من مليشيات الحوثي.

ومن هذا المنطلق، يعكس الهجوم حقيقة أن الصراع اليمني لم ينتقل بعد من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة بناء السلام، وأن التهدئة السابقة لم تنجح في معالجة الأسباب العميقة للنزاع أو بناء الثقة بين الأطراف. ومن ثم، فإن أي تصعيد ميداني واسع يُذكّر بأن الأزمة ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، وأن الاستقرار النسبي في بعض الجبهات يظل هشاً وقابلاً للاهتزاز.

كما يسلط الهجوم الضوء على استمرار التداخل بين الملف اليمني والتوازنات الإقليمية الأوسع، إذ لم يعد اليمن ساحة نزاع محلية فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة أمنية تمتد من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وباب المندب، وترتبط بأمن الطاقة العالمي، وحركة التجارة الدولية، والمنافسة بين القوى الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، لا يُقرأ أي تطور ميداني كبير داخل اليمن من زاوية نتائجه المحلية فحسب، بل من خلال الرسائل التي يبعث بها إلى الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف. فالتصعيد الحالي يأتي في وقت ما تزال فيه منطقة البحر الأحمر تشهد توترات أمنية متكررة، مما يجعل التطورات البرية والبحرية جزءاً من مشهد استراتيجي واحد مترابط.

وقد يؤدي ما حدث في العبر إلى زيادة التعقيد أمام الجهود السياسية الرامية لإحياء عملية السلام، إذ تشير التجارب السابقة إلى أن التصعيد الميداني غالباً ما يؤثر في حسابات الأطراف السياسية، ويؤدي إلى تراجع فرص بناء الثقة المطلوبة لإنجاح أي مفاوضات شاملة، وفي المقابل، قد يدفع استمرار التوتر المجتمع الدولي إلى إعادة تنشيط مساعي الوساطة، انطلاقاً من القناعة بأن غياب الحل السياسي المستدام يظل عاملاً رئيسياً في تجدد دورات العنف. وقد شهدت السنوات الماضية محاولات متعددة لخفض التصعيد، لكن معظمها اصطدم بتعقيدات المشهد اليمني وتشابك المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة به.

وتكشف الأحداث الأخيرة مرة أخرى عن الأهمية الجيوسياسية الاستثنائية لليمن، بموقعه المطل على البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث تمر نسبة كبيرة من التجارة الدولية وإمدادات الطاقة. ولهذا، فإن استقرار اليمن لم يعد مصلحة يمنية فقط، بل أصبح مصلحة إقليمية ودولية مشتركة، إذ ينعكس أي اضطراب أمني واسع فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأمن البحري وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية، ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الدولي المتواصل بالأزمة اليمنية، رغم تعدد الأزمات في مناطق أخرى، إذ يقع اليمن في نقطة التقاء الخليج العربي والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهي منطقة تتزايد أهميتها الاستراتيجية في ظل التحولات الجارية في الاقتصاد والسياسة الدوليين.

ويبقى السؤال الأهم: هل يمثل هذا الهجوم بداية مرحلة جديدة من التصعيد، أم أنه حلقة ضمن نمط الصراع القائم؟ ستتوقف الإجابة على طبيعة ردود الفعل السياسية والعسكرية في الفترة المقبلة، وعلى قدرة الوسطاء الإقليميين والدوليين على احتواء التوتر ومنع انتقاله إلى مستويات أوسع، وكذلك على مدى استعداد الأطراف اليمنية للعودة إلى الحوار والتفاوض بوصفهما الخيار الأقل كلفة مقارنة باستمرار الصراع المفتوح.

وفي كل الأحوال، يؤكد الهجوم أن الأزمة اليمنية ما تزال بعيدة عن الحل النهائي، وأن أي مقاربة مستقبلية يجب أن تتجاوز إدارة الأزمات المؤقتة إلى معالجة الجذور السياسية والاقتصادية والمؤسسية للصراع، بما يتيح بناء دولة قادرة على تحقيق الاستقرار واحتكار استخدام القوة في إطار قانوني ومؤسساتي جامع.

السيناريوهات السياسية المحتملة

لا يمكن فصل الهجوم الأخير عن سياقه السياسي العام، إذ يأتي في وقت تتسم فيه العملية السياسية بالجمود، وتلقي الملفات الاقتصادية والإنسانية بظلالها على المشهد الداخلي، ومن ثم، فإن تداعيات الهجوم لن تقتصر على الجانب الأمني، بل قد تمتد إلى إعادة تشكيل أولويات الفاعلين المحليين والإقليميين في المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول يتمثل في استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم"، وهو السيناريو السائد خلال السنوات الأخيرة بدرجات متفاوتة، ففي هذا الإطار، قد تتواصل فترات التهدئة النسبية بالتزامن مع أحداث تصعيد متفرقة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة أو التوصل إلى تسوية سياسية نهائية، وهذا النمط يطيل أمد الأزمة، ويستمر في فرض ضغوط اقتصادية وإنسانية على المجتمع اليمني.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على استعادة الزخم السياسي من خلال تكثيف جهود الوساطة الإقليمية والدولية، مستفيدةً من الإدراك المتزايد بأن استقرار اليمن مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن البحر الأحمر وباب المندب وسلامة التجارة الدولية، ويتطلب هذا المسار بناء إجراءات متبادلة لتعزيز الثقة، وإعطاء الأولوية للقضايا الإنسانية والاقتصادية، تمهيداً لبيئة أكثر ملاءمة لاستئناف الحوار.

وفي المقابل، يبقى احتمال تعثر المسار السياسي قائماً إذا استمرت حالة انعدام الثقة بين الأطراف، أو طغت التطورات الميدانية على فرص التفاهم السياسي. وقد أظهرت التجارب السابقة أن غياب رؤية شاملة لمعالجة جذور الأزمة يؤدي إلى تكرار دورات التصعيد، حتى بعد فترات من التهدئة.

وتُؤكد التطورات الأخيرة أن الملف اليمني سيظل حاضراً في حسابات الأمن الإقليمي، ليس فقط بسبب الموقع الجغرافي، وإنما أيضاً لارتباطه بممرات بحرية حيوية ومصالح اقتصادية عالمية، ومن ثم، فإن أي تقدم نحو الاستقرار في اليمن سينعكس إيجاباً على البيئة الإقليمية، في حين أن استمرار الصراع يضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد الأمني في المنطقة، كما أن تعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين يستدعي تعزيز التنسيق الدبلوماسي، بما يدعم الحلول السياسية، ويحافظ على سيادة اليمن ووحدته، ويحد من تأثير التنافسات الإقليمية على مسار التسوية.

ومما سبق، يمثل هذا الهجوم تذكيراً بأن الأزمة اليمنية لم تصل بعد إلى مرحلة الاستقرار المستدام، وأن أي قراءة للمشهد ينبغي أن تراعي تداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية، كما يؤكد أن تحقيق السلام لا يعتمد على وقف الأعمال القتالية وحده، بل يتطلب معالجة القضايا السياسية والاقتصادية والمؤسسية التي أسهمت في إطالة أمد النزاع.

ويبقى نجاح أي مسار مستقبلي رهناً بقدرة الأطراف اليمنية، بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين، على بناء إطار سياسي جامع، يعزز مؤسسات الدولة، ويستجيب للتحديات الإنسانية والتنموية، ويضع أسساً لاستقرار دائم يخدم اليمن والمنطقة بأسرها.

ذات صلة