21 سبتمبر.. انقلابٌ على اليمن ودولةٌ لا تموت
لم يكن 21 سبتمبر 2014 يوماً عادياً في تاريخ اليمن، بل كان نقطة التحول التي انتقلت فيها مليشيا الحوثي من جماعة مسلحة إلى سلطة مفروضة بقوة السلاح، بعد اجتياح صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة، لتدخل البلاد منذ ذلك التاريخ في مسار من الحرب والانهيار والتشظي ما تزال آثاره ماثلة حتى اليوم.
سقطت مؤسسات الدولة، وتراجعت سلطة القانون، وانتهكت الحريات، واتسعت دائرة الاعتقالات والاختطافات، وتعرض المدنيون للقتل والنزوح، وزُرعت الألغام، وتدهورت الخدمات والاقتصاد، فيما تحولت موارد الدولة والمواطن إلى أدوات للجباية وتمويل اقتصاد الحرب.
وخلال اثني عشر عاماً، دفعت الأسرة اليمنية ثمناً باهظاً: فقراً ونزوحاً وفقداناً للأمن وفرص العمل وتراجعاً في التعليم والصحة والخدمات. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انكماش الاقتصاد اليمني بنحو 27% منذ 2014، بينما تؤكد الأمم المتحدة أن ملايين اليمنيين ما زالوا بحاجة إلى المساعدات الإنسانية والحماية.
ولم يتوقف خطر الحوثيين عند السيطرة على الأرض، بل امتد إلى محاولة فرض نموذج سياسي واجتماعي يقوم على احتكار السلطة والسلاح، وإخضاع المؤسسات، وتهميش المخالفين، وإعادة تشكيل وعي الأجيال وفق رؤية الجماعة، بما يهدد مفهوم الدولة والمواطنة المتساوية.
لقد كشفت السنوات الماضية الفارق بين الشعارات والواقع. فالجماعة التي رفعت شعارات مواجهة الفقر والفساد لم تمنح اليمن دولة أكثر عدلاً أو اقتصاداً أكثر استقراراً، بل تركت وراءها بلداً منهكاً ومجتمعاً مثقلاً بالحرب والانقسام.
ولهذا فإن أقوى مواجهة للدعاية الحوثية ليست في تبادل الشعارات، وإنما في كشف الحقيقة بالأرقام والوثائق والشهادات، ومقارنة الوعود بالنتائج، وإظهار كلفة الانقلاب على حياة اليمنيين. فالحقيقة التي عاشها المواطن أقوى من أي خطاب سياسي.
وفي المقابل، لا يمكن للقوى الوطنية المناهضة للحوثيين أن تنتصر وهي أسيرة خلافاتها. المرحلة الراهنة تفرض توحيد الصف والقرار، وتغليب مشروع الدولة على الحسابات الحزبية والمناطقية، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، ومحاربة الفساد، واستعادة ثقة المواطن، وتقديم نموذج حكم مختلف يحترم القانون والحقوق ويضع احتياجات الناس في مقدمة أولوياته.
كما أن مواجهة الحوثيين يجب أن تبقى مواجهة لمشروع مليشيا مسلحة احتكرت القرار بالقوة، لا مواجهة لمجتمع أو منطقة أو مذهب؛ فاليمن بعد الحرب يحتاج إلى دولة تجمع أبناءه وتعيد بناء مؤسساته، لا إلى مزيد من الانقسامات.
إن استعادة اليمن لا تبدأ فقط من الجبهات، بل من استعادة فكرة الدولة: دولة لا تعلو فيها جماعة على القانون، ولا يكون فيها السلاح بديلاً عن المؤسسات، ولا يتحول المواطن إلى وقود لصراع السلطة.
لقد حاول الحوثيون جعل انقلاب 21 سبتمبر أمراً واقعاً دائماً، لكن التاريخ لا تحسمه المليشيات وحدها، ولا تستطيع القوة المسلحة أن تلغي إرادة شعب بأكمله.
اليمن أكبر من الحوثي، والدولة أبقى من المليشيا، ومستقبل الوطن لا يمكن أن يُختزل في مشروع جماعة.
وفي الذكرى الثانية عشرة لنكبة 21 سبتمبر، فإن المهمة أمام القوى الوطنية واضحة: توحيد الصف، استعادة الدولة، إنهاء احتكار السلاح للقرار الوطني، إنقاذ الاقتصاد، حماية المواطن، ومواجهة الفساد، وصولاً إلى يمنٍ يستعيد قراره وسيادته ومؤسساته.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط لإنهاء انقلاب مضى عليه اثنا عشر عاماً، وإنما لإنقاذ مستقبل اليمن من أن يصبح الانقلاب نموذجاً دائماً للحكم.
21 سبتمبر كان يوم الانقلاب على الدولة، لكنه لا يجب أن يكون يوماً يُهزم فيه مستقبل اليمن.