أ.د.عبدالوهاب العوج يكتب: تعز تسطر ملاحم البطولة والعزة.. ودعم صمودها ليس ترفاً سياسياً ولا منّة
- أ.د.عبدالوهاب العوج*
- منذ 8 ساعات
لماذا كل هذا الهجوم الوحشي على تعز؟ ولماذا تصر جماعة الحوثي على تحويل هذه المدينة إلى ساحة مفتوحة للحرب والدمار ومحاولة كسر إرادة أبنائها؟
إنه سؤال يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، لأن تعز ليست مجرد جبهة من جبهات الحرب، وليست مجرد مدينة يريد الحوثيون السيطرة عليها؛ فتعز تمثل في الوعي اليمني حالة مختلفة؛ هي مدينة ومحافظة ارتبط اسمها بالعلم والمعرفة والثقافة والجمهورية، وبفكرة الدولة المدنية والمواطنة المتساوية، ولذلك أصبحت مقاومتها للمشروع الحوثي السلالي جزءًا من معركة أوسع على مستقبل اليمن وهويته السياسية.
و هل لأن تعز تحمل عقيدة جمهورية مسلحة بالعلم والمعرفة والقناعة الراسخة بحتمية الدولة المدنية؟ربما هنا تكمن إحدى أهم الإجابات.
فالمشروع الحوثي السلالي البغيض لا يواجه في تعز مجموعة من المقاتلين فقط، وإنما يواجه مجتمعًا لديه وعي سياسي واجتماعي متراكم، يؤمن بأن اليمن وطن لجميع أبنائه، وأن السلطة ليست حقًا حصريًا لسلالة أو جماعة او منطقة او جهة، وأن الدولة لا يمكن أن تُبنى على أساس التمييز بين اليمنيين على اساس مناطقي او قبلي او سلالي، ولن يحكم اليمن من مكون أو منطقة أو سلالة بل المشاركة بالحكم هو الميزان والمواطنة المتساوية هي البوصلة والجمهورية والوحدة هي الغاية والسبيل.
وهذه هي جوهر المعركة.
تعز تدافع عن الجمهورية بوصفها فكرة، وعن الدولة بوصفها مؤسسة، وعن المواطنة بوصفها حقًا أصيلًا، وعن مستقبل اليمن بوصفه وطنًا لا ملكية خاصة لجماعة أو سلالة.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تدفع تعز ثمنًا باهظًا طوال سنوات الحرب؛ فقد تعرضت للحصار والقصف والاستهداف، وسقط من أبنائها الشهداء والجرحى، وتحولت أحياؤها ومناطقها إلى ساحات للمواجهة، لكن كل ذلك لم ينجح في كسر إرادتها أو دفعها إلى الاستسلام للمشروع الحوثي السلالي.
لقد راهن الحوثيون على أن الضغط العسكري والحصار والقتل والتدمير يمكن أن تستنزف تعز حتى تفقد قدرتها على المقاومة.
لكن الذي حدث كان مختلفًا.
كلما اشتد الضغط، ازداد التمسك بالهوية الجمهورية، وكلما اتسعت دائرة المعاناة، ترسخت لدى المجتمع قناعة بأن المعركة لم تعد معركة مدينة محاصرة، وإنما معركة وطن يبحث عن طريقه إلى الدولة.
وهنا يجب التمييز بين المقاتل والقضية التي يقاتل من أجلها.
المقاتل في جبهات تعز لا يقاتل دفاعًا عن أشخاص أو امتيازات أو مشاريع خاصة، وإنما يقاتل، في نظره، دفاعًا عن الكرامة والسيادة والوطن، وعن حق اليمنيين في دولة لا يكون فيها السلاح وسيلة لفرض الحكم، ولا الانتماء السلالي معيارًا للحقوق السياسية.
وهذه القناعة هي التي تجعل المعركة أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة عسكرية.
فالحروب قد تُحسم أحيانًا بالسلاح، لكنها لا تُحسم بالسلاح وحده عندما تكون جذور الصراع مرتبطة بهوية المجتمع ورؤيته لمستقبله.
تعز اليوم تقف في قلب هذا الاختبار.
فهي تواجه مشروعًا يريد إعادة تعريف الدولة والسلطة والمواطنة على أساس مختلف جذريًا عن فكرة الجمهورية اليمنية الحديثة. وفي المقابل، تتمسك غالبية واسعة من أبنائها بفكرة أن اليمن دولة لجميع اليمنيين، وأن مستقبل الحكم يجب أن يقوم على المؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية.
ومن هنا فإن استهداف تعز يحمل دلالة سياسية تتجاوز الجغرافيا.
السيطرة على تعز ليست مجرد مكسب ميداني، كما أن الدفاع عنها ليس مجرد دفاع عن مدينة. إنها معركة على واحدة من أهم البيئات التي حافظت على حضور الفكرة الجمهورية في الوعي اليمني خلال سنوات الحرب.
لكن تعز لا تستطيع أن تخوض هذه المعركة إلى ما لا نهاية بالروح الوطنية وحدها.
إن تضحيات أبنائها تفرض على القوى الجمهورية مسؤولية تاريخية تتمثل في توحيد القرار العسكري والسياسي، وإنهاء حالة التشتت، وتعزيز التنسيق بين الجبهات، وبناء مؤسسات الدولة، وتحويل الصمود الشعبي إلى قوة سياسية وعسكرية قادرة على تغيير معادلة الحرب.
فأكبر خطر على تضحيات تعز ليس فقط قوة الخصم، وإنما أن تتحول هذه التضحيات إلى حالة استنزاف دائمة دون مشروع وطني قادر على استثمارها وتحويلها إلى إنجاز سياسي وعسكري.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس مجرد الدفاع عن تعز، وإنما تحرير قرارها الوطني من أي حسابات ضيقة، وربط معركتها بمعركة استعادة الدولة اليمنية، بحيث تصبح تضحياتها جزءًا من مشروع وطني شامل لا مجرد جبهة أخرى في حرب مفتوحة.
وهنا لا بد من القول بصراحة: إن صمود تعز الأسطوري لم يقابله حتى الآن دعم يوازي حجم التضحيات. فالمدينة التي تحملت الحصار والقصف والمواجهة المفتوحة لسنوات، ما زالت تنتظر دعماً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً حقيقياً يغير معادلة المعركة بدلاً من إطالة أمد الاستنزاف.
إن دعم صمود تعز ليس ترفاً سياسياً ولا منّة، بل هو استحقاق وطني وضرورة استراتيجية. وهناك خطوات عملية لا تحتمل التأجيل:
أولاً: على الحكومة الشرعية أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة تجاه تعز، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من أراضيها الخاضعة للدولة، وأن تتوقف عن التعامل مع المدينة كملف هامشي أو ورقة تفاوض. المطلوب ليس بيانات التضامن والخطب، بل قرارات تنفيذية عاجلة: فتح مسارات آمنة للإمدادات الإنسانية والعسكرية، وانتظام رواتب الموظفين والجيش والمقاومة، وتمويل الجبهات بشكل مباشر ومنتظم، ووضع خطة واضحة لكسر الحصار عن المدينة.
ثانياً: على التحالف العربي أن يدرك أن تعز ليست جبهة ثانوية، بل هي العمق الاستراتيجي لمعركة استعادة الدولة. وإن كان التحالف قد تدخل عسكرياً في اليمن تحت مظلة الشرعية، فإن تعز هي الاختبار الحقيقي لمصداقية هذا التدخل. إن دعم تعز يعني: إسناداً جوياً فاعلاً يوقف القصف الحوثي على الأحياء السكنية، وإمداداً نوعياً للمقاومة بالسلاح والذخيرة، وغطاءً بحرياً يمنع تهريب الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين عبر الساحل الغربي، وضغطاً سياسياً دولياً لرفع الحصار عن المدينة.
ثالثاً: عدم تكرار نكسة الساحل الغربي وباب المندب والمخا. فالتجربة المؤلمة في الساحل الغربي، حيث تبددت الانتصارات العسكرية بسبب غياب الرؤية السياسية وتشتت القرار وتقاطعات المصالح الضيقة، يجب أن تكون درساً مستفاداً. لقد حررت المقاومة مساحات واسعة في الساحل الغربي، ولكن ما إن انتهت المعركة العسكرية حتى دخلت المنطقة في فراغ إداري وأمني وخدمي، وتقاسمت الميليشيات النفوذ، وضاعت البوصلة. والمخا، المدينة التي حررت بدماء أبنائها، تحولت إلى نموذج للفوضى والانقسام بدلاً من أن تكون قاعدة لاستعادة الدولة.
إن تكرار هذا السيناريو في تعز سيكون كارثة وطنية بكل المقاييس. فالمدينة التي قاتلت وحاصرت وصمدت، تستحق أن يكون تحريرها الكامل مقدمة لبناء مؤسسات الدولة، لا مقدمة لنزاعات جديدة على الغنائم.
رابعاً: على القوى الجمهورية في تعز أن توحد صفوفها قبل أن تطالب الآخرين بالدعم. فلا يمكن أن تُبنى استراتيجية وطنية على أرضية مشقوقة. المطلوب هو تشكيل قيادة موحدة لجبهات تعز، وإنهاء حالة التنازع بين المكونات السياسية والعسكرية، وتقديم مشروع وطني متكامل لاستعادة الدولة، لا مجرد إدارة أزمات.
خامساً: على المجتمع الدولي والأمم المتحدة أن يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية تجاه تعز. إن الحصار المفروض على مدينة كاملة يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني. وما يجري في تعز ليس شأناً داخلياً يمنياً، بل هو انتهاك صارخ لكل المواثيق الدولية التي تحمي المدنيين في النزاعات المسلحة.
إن تعز لا تطلب المستحيل. إنها تطلب فقط ما تقدمه هي: التضحية والصمود والوفاء للوطن. وما تنتظره من الحكومة والتحالف ليس أكثر من الوفاء بالمقابل.
تعز ليست بحاجة إلى من يشرح لها معنى التضحية؛ فقد دفعت الثمن.
وليست بحاجة إلى من يعلّم أبناءها معنى الجمهورية؛ فقد حافظوا عليها في أصعب الظروف.
وليست بحاجة إلى من يخبر مقاتليها لماذا يقاتلون؛ فهم يعرفون أن المعركة بالنسبة إليهم تتعلق بالكرامة والسيادة والوطن.
لكن تعز بحاجة إلى قيادة تستوعب حجم هذه التضحيات، وإلى قرار سياسي يوازي شجاعة المقاتلين في الجبهات، وإلى استراتيجية وطنية تجعل من صمودها نقطة انطلاق لاستعادة الدولة، لا مجرد وسيلة لإطالة أمد الحرب.
إن تعز لا تواجه الحوثيين لأنها تعز فقط، وإنما لأنها تمثل شيئًا أكبر من جغرافيتها.
تمثل مدرسة الجمهورية.
تمثل مدينة العلم والمعرفة.
تمثل الوعي الذي يرفض أن تتحول الدولة إلى غنيمة.
تمثل المواطن الذي يريد أن تكون قيمته في وطنه مرتبطة بإنسانيته وحقوقه، لا بنسبه أو انتمائه.
ولهذا ستبقى تعز عصية على الإخضاع ما دام أبناؤها متمسكين بهذه القيم، وما دامت إرادة المجتمع أقوى من محاولات كسرها.
إن معركة تعز هي، في جوهرها، معركة على مستقبل اليمن.
فإما أن ينتصر منطق الدولة والمواطنة والقانون، وإما أن يستمر اليمن أسيرًا لمنطق القوة والسلاح والامتيازات.
وتعز، بما قدمته من تضحيات وما أظهره أبناؤها من صمود، تقول إن اليمن الذي يحلم به أبناؤها لن يكون وطنًا تحكمه السلالة، وإنما دولة يتساوى فيها الجميع.
تعز تسطر اليوم ملاحم البطولة والعزة والكرامة.
وقد تنزف، وقد تتعب، وقد تتعرض لأقسى الضغوط، لكنها لم تنكسر.
وستنتصر تعز، حين تتحول تضحياتها إلى قوة وطنية لاستعادة الدولة، وحين يصبح صمودها بداية لنهاية الانقلاب، وحين ينتصر اليمن الجمهوري الذي دافع عنه أبناؤها بكل ما يملكون.
تعز ليست جبهة فقط.
تعز موقف.
وتعز قضية.
وتعز ذاكرة الجمهورية وروحها.
ومن يراهن على كسر تعز، عليه أن يتذكر أن المدن التي تحمل وعيًا لا تُهزم بسهولة، وأن إرادة الشعوب قد تتأخر في الانتصار، لكنها لا تموت.
* أكاديمي ومحلل سياسي يمني