حق المغرب لا يدحضه باطل الفيتو الروسي

  • قراءة وتحليل : احمد غيلان.
  • منذ ساعة

​​في أروقة مجلس الأمن الدولي، حيث يُفترض أن تُصان قواعد الشرعية الدولية وتُحفظ سيادة الدول واستقرارها الإقليمي، تتكشف أحياناً مفارقات دقيقة في مقاربة القوى الكبرى لملفات السيادة والوحدة الترابية، ومن هذه المفارقات - على سبيل الاستشهاد - الموقف  الذي اتخذه مندوب روسيا  في جلسة مجلس الأمن في ٣٠ اكتوبر ٢٠٢٦  حول قضية الصحراء المغربية.. 

فبينما تسعى موسكو جاهدة لإبراز دوافع أمنها القومي وحقها في حماية مجالاتها الحيوية في الأزمة الأوكرانية، تتبنى - في المقابل - مواقف متحفظة في بعض محطات الأمم المتحدة تجاه قضايا السيادة والوحدة الترابية للدول العربية، كما حدث في موقفها الأخير تجاه ملف الصحراء المغربية، إذ عرقلت روسيا صدور قرار ينهي الصراع وتداعياته، لصالح  الاستقرار المغربي والاقليمي والدولي.

هذا التباين في الموازين يطرح تساؤلات مشروعة حول معايير الاستقرار الدولي، التي يجب أن تؤكد دوما على أن حماية الوحدة الترابية للدول الوطنية تظل حقاً سيادياً أصيلاً لا يتأثر بتعقيدات التوازنات الدبلوماسية الكبرى.

وبعيدًا عن المواقف المتناقضة - التي لا تبطل حقًّا ولا تحق باطلًا - دعونا نقرأ معطيات ملف الصحراء المغربية، بالتدريج، من مستجدات جلسات مجلس الأمن الأخيرة، إلى معطيات الميدان الثابتة، ومن ثم إلى آفاق المستقبل التي تعزز ترجيح الحلول والخيارات الأكثر جدوى:

​أولًا : الالتفاف الدولي  يؤكد سقوط خيار  "الاستفتاء"

​أظهرت جلسة الأخيرة مجلس الأمن - يوم 30 اكتوبر  2026 -  بشأن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة  "المينورسو" حقيقة سياسية ساطعة؛ مفادها سقوط الخيارات البالية،  وعلى الرغم من تعثر اعتماد القرار بسبب الاعتراض الروسي (غير المبرر)، فإن 11 عضواً من أصل 15 اصطفوا لتأييد المشروع الذي يجعل من مبادرة الحكم الذاتي مرجعية أساسية للعملية السياسية.

التأييد الواسع داخل مجلس الأمن يعكس التفافاً دولياً متنامياً حول الطرح المغربي، الذي يستند إلى حق مشروع، ويوازن بين المعطيات الميدانية الواقعية، ويراعي متطلبات المستقبل، وبما يحقق المصالح الوطنية والاقليمية والدولية.

ولعل أهم ما أكدته  هذه المحطة أن طروحات "الاستفتاء" قد أصبحت من الماضي؛ لعدم توفر مقوماتها،  ولأن مفردات الواقع الميداني والسياسي قد نجاوزتها بمراحل كثيرة، وهو ما أقر به - بوضوح - المبعوث الأممي (ستيفان دي مستورا)؛ الذي أكد إن "استمرار التمسك بآليات متجاوزَة لم يعد يخدم سوى إدامة حالة الجمود، بينما يتطلع المجتمع الدولي إلى حلول عملية وواقعية تنهي هذا النزاع المفتعل".

​ثانيًا: استنفاد المشروعية الوظيفية للبعثة الأممية  "المينورسو"

كل التقارير والمؤشرات تفيد أن ​ المملكة المغربية تعاملت - على الدوام -  مع بعثة "المينورسو" بمسؤولية، وباحترام تام للشرعية الدولية منذ تأسيسها سنة 1991؛ غير أن التطورات الميدانية المتلاحقة أفرغت الآلية الأممية من محتواها العملي؛ ومن تلك التطورات إعلان جبهة البوليساريو الانفصالية سنة 2020 التنصل من التزامات وقف إطلاق النار، عقب أحداث معبر (الكركرات)، التي كشفت عن نزوع فوضوي كاد أن يخرج الوضع عن السيطرة، لولا تدخل الدولة المغربية لاحتوائه بحكمة ومسئولية، من خلال إقامة حزام أمني أعاد الوضع إلى نصابه، وهو ما أحدث تحولاً كبيراً في الموقف الميداني والسياسي، وعلى أساسه زادت القناعة الدولية بضرورة تجاوز آليات التدبير القديمة والانتقال إلى حلول سياسية واقعية، بمكن تحقيقها بالاستناد إلى مبادرة الحكم الذاتي.

​من هذه المعطيات، ينطلق الموقف المغربي الثابت؛  برفض بقاء بعثة مرتبطة بآليات استفتاء مرفوضة ومنتهية الصلاحية والمشروعية، وتجاوزتها الأحداث والمستجدات.

على أن الدولة المغربية وهي تؤكد التزامها الراسخ باحترام وقف إطلاق النار، وبحماية أمنها القومي، فإنها تدعو إلى هيكلة حضور البعثة؛ بما يتناسب مع متطلبات العملية السياسية، وتخفيض أفراد البعثة بنسبة 50%، مع تأمين رحيل منظم ولائق لعناصرها، مع التأكيد المطلق على تقدير المغرب للجهود التي بذلتها البعثة، وسط ظروف استثنائية.

​ثالثًا: تنزيل( الحكم الذاتي) من التأصيل النظري للحقوق، إلى التجسيد العملي لتطلعات الإنماء والربط القاري والاستقرار

​إن قوة الموقف المغربي اليوم لا تستند فقط إلى شرعيته التاريخية والقانونية، بل تستمد زخمها من الديناميكية التنموية والمشاريع الاستراتيجية التي يقودها المغرب في أقاليمه الجنوبية؛ 
فلم يعد الحكم الذاتي مجرد إطار تفاوضي، بل أصبح المرجعية الحية لبناء المؤسسات المحلية، وتدبير الشؤون الاقتصادية والاجتماعية تحت السيادة المغربية.

​ويتكامل هذا المسار السياسي مع رؤية ملكية بعيدة المدى؛ جعلت من الصحراء المغربية قطباً اقتصادياً وبوابة رئيسة نحو العمق الإفريقي، ويتجسد ذلك في جملة من الخيارات العملية، أبرزها:

١- ​ميناء الداخلة الأطلسي: لربط غرب إفريقيا بالأسواق العالمية.
٢- ​المبادرة الملكية الأطلسية لدول الساحل: لتمكين الدول الحبيسة من الولوج إلى المحيط الأطلسي وكسر عزلتها.
٣- ​أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي: لتعزيز الأمن الطاقي والتنمية المشتركة.

​هذه المشاريع وغيرها - وما يتبعها ويحيطها من مشاريع تفصيلية - تؤكد واقعية التحول العميق، الذي يخدم مصالح المغرب والإقليم والقارة والعالم،  ويثبت أن استقرار المنطقة وازدهارها مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بسيادة الدولة المغربية وتكاملها الإقليمي.

​رابعًا: الموقف العربي  المطلوب؛ من الدبلوماسية إلى الميدان

​أمام هذه المعطيات، تتجلى أولى المسلمات التي يجب التأكيد عليها في كل موقف، وهي أن سيادة المملكة المغربية على أراضيها خط أحمر لا يقبل المساومة.
وفي هذا السياق، يجب أن تتسق المواقف العربية والدولية الصديقة، وفي مقدمتها اليمن، الذي يخوض بدوره معركة الدفاع عن دولته وسيادته في مواجهة التمرد المستود بالتدخلات الخارجية، ويدرك تماماً قيمة الاستقرار الإقليمي.

​المطلوب اليوم - من كافة الشركاء الحريصين على استقرار المنطقة - هو ترجمة مواقفهم السياسية إلى خطوات عملية وميدانية، عبر تعزيز الدعم الدبلوماسي داخل أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتجسيد الاعتراف بالسيادة المغربية من خلال تعزيز الحضور القنصلي والاقتصادي والاستثماري في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، وتلك أبسط الأولويات التي يجب أن تتصدر مواقف الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمتها الدول العربية.

خامسًا: مخاطر التهاون بسيادة الدول وحقوقها المشروعة

شهد العالم بأسره كثيرًا من التجارب والصراعات والنزاعات، التي بدأت صغيرة وفي مناكق جغرافية محدودة، لكنها اتسعت وألقت بظلالها وآثارها على الأمن والاستقرار والمصالح الاقتصادية، وخلفت كوارث انسانية لا حصر لها، وأكدت نتائجها وآثارها أن التهاون في مناصرة الدول لترسيخ سيادتها المطلقة على كامل أراضيها يفتح الباب واسعاً أمام أصحاب المطامع الصغيرة  لتشكيل وإنشاء كيانات وجماعات منفلتة؛ تنازع الدول والحكومات الشرعية، وتعبث بالاستقرار، وتبث الفوضى التي قد تجد من يتلقفها؛ لاستخدامها كأوراق سياسية قذرة، في ملفات ومصالح ضيقة، لا علاقة لها بأمن واستقرار الشعوب والدول، بل وتهدد الأمن والسلم الدوليين.
​
سادسًا: الرسائل الدبلوماسية

إلى موسكو: 

مبادئ السيادة لا تتجزأ.. و​عند مقاربة المواقف الدولية، لا بد من الإقرار بأن روسيا الاتحادية، - كدولة كبرى - ذات عضوية دائمة في مجلس الأمن، يليق بها - تاريخياً وحضارياً- أن تكون حصناً لاحترام سيادة الدول وحقوقها المكفولة في القوانين الدولية والشرعية الأممية، ولا يليق بها مطلقًا أن تتحول إلى داعم مباشر لأي جماعة خارجة عن الدولة، تحت أي مبر .

للمجتمع الدولي:

إن تماسك النظام الدولي ومصداقية القوى الكبرى يستوجبان - بالضرورة -  الابتعاد عن أي انخراط في دعم أو تبرير وجود الكيانات  والجماعات المنفلتة، التي تنازع الدول والحكومات شرعيتها، دون مبرر، وتعرض استقرار البلدان والشعوب للمخاطر؛ فمثل هذه المقاربات تفتح أبواباً وتخلق سوابق قد تستدعي لاحقاً ردود أفعال وتداعيات لا تخدم مصالح الدول، وتضر بالأمن والسلم الدوليبن.

خاتمة:

حق الدولة المغربية مشروع وثابت وأصيل، في سيادتها على كامل أرضها، بما فيها الصحراء المغربية، والعالم كله يدرك أن هذه الحقيقة تستند إلى روابط تاريخية وقانونية وسيادية واضحة للعيان وراسخة في وجدان الأمة المغربية، إذ تشكل محاولة الفصل فيها حدثاً طارئاً وغير مشروع.
 

ذات صلة