الامتحان الحقيقي الذي ينتظر الحوثيين

منذ 21 دقيقة

إذا كانت جماعة الحوثي تقدم مشروعها بوصفه دفاعا عن المستضعفين، فهل يقبل قادتها أن يخضعوا للمساءلة عن مصير الذين خاضوا الحروب باسم ذلك المشروع؟

وإذا كانت تدعو إلى التضحية، فهل تعترف بحق الناس في رفض الحرب أصلا؟

وإذا كانت تتحدث عن الكرامة، فأين كرامة المواطن الذي لا يستطيع أن يسأل عن جدوى استمرار القتال دون أن يخشى العواقب؟

في مدينة الحزم بمحافظة الجوف، تتحدث تقارير إعلامية عن مغادرة قيادات حوثية وعائلاتها ونقل ممتلكاتها خارج المدينة، بالتزامن مع تطورات عسكرية في محيطها.

لا نعرف بعد الحجم الحقيقي لهذه التحركات، ولا يجوز تحويل كل انسحاب أو إخلاء إلى انهيار عسكري.....
لكن الخبر يفتح بابا واسعا لمُساءلة ثقافة سياسية جعلت التضحية واجبا عاما، والمُساءلة امتيازا لا يملكه المواطن.

فما أسهل أن تتحدث عن الصمود حين يكون المطلوب من الآخرين أن يصمدوا!

وما أيسر أن تشرح فضائل الموت حين لا تكون حياة أبنائك هي المطروحة على المائدة!

هنا ينبغي أن نطرح السؤال الذي تتجنبه الخطب الحماسية المليشياوية:

هل يتساوى أبناء القيادات وأبناء القبائل اليمنية في تحمل أثمان الحرب؟

وهل تتوزع المخاطر والامتيازات بالقدر نفسه، أم أن هناك من يمتلك حق اتخاذ القرار، بينما لا يمتلك الآخرون إلا واجب تحمل نتائجه؟

تحدثتُ مع سليمان حميد عويدين الغولي، وكيل وزارة الشباب والرياضة السابق في سلطة الحوثيين في صنعاء، عن تجربته داخل جماعة الحوثي... وقد نشرتُ الكثير مما دار بيننا من حديث في مقالة مُنفردة أمس... 
وكان من أكثر ما استوقفني في شهادته حديثه عن الاستثمار في تنشئة الأطفال والشباب، وعن التناقض بين شعارات نصرة المستضعفين والممارسات التي يقول إنه عاينها داخل السلطة.

واليوم تعيد أخبار الحزم السؤال نفسه بصورة مختلفة....

إن الشجاعة السياسية ليست في إلقاء الخطب من وراء الشاشات، وإنما في تحمل المسؤولية عن القرارات حين تظهر نتائجها.

والقيادة التي تستحق الاحترام لا تحتاج إلى إقناع الناس بأن السؤال خيانة، ولا إلى تحويل الاعتراض إلى تهمة، ولا إلى استدعاء المقدس كلما عجزت عن تقديم جواب سياسي.

أما إيران، فإن علاقتها بالحوثيين تفتح سؤالا إضافيا عن كلفة الارتباط بالمشروعات الإقليمية المسلحة.

فهل تقاس قيمة اليمن في حسابات الجماعة بمصالح اليمنيين أنفسهم، أم بمقدار ما تستطيع تقديمه من نفوذ وأوراق ضغط في صراعات تتجاوز حدوده؟

وهل يستطيع الحوثيون اتخاذ قرار بالسلام إذا تعارض مع مصالح حلفائهم؟

هذه أسئلة تتعلق باستقلال القرار اليمني، لا بمجرد هوية الداعم الخارجي.

أما مدينة الحزم، فإن أهلها أحق من الجميع بالأمن، وأحق من القيادات المتصارعة بأن تكون بيوتهم بعيدة عن القتال.

ولا ينبغي أن تتحول أخبار المغادرة إلى دعوة للانتقام أو استباحة الممتلكات أو معاقبة الأسر.....
فالعائلات ليست مسؤولة تلقائيا عن قرارات أقاربها، وحماية المدنيين واجب لا يتغير بتغير السيطرة العسكرية.

وإذا ثبت أن قيادات غادرت المدينة حفاظا على سلامتها، فلا عيب في حماية النفس والأهل...... العيب أن تمنع الآخرين من المطالبة بالسلامة نفسها.

ذلك هو الامتحان الأخلاقي الحقيقي....

فالتاريخ لا يسأل فقط من تقدم ومن انسحب، وإنما يسأل من اتخذ القرار، ومن دفع الثمن، ومن استطاع النجاة، ومن ترك خلفه مجتمعا مُهشّما من آثار الحرب.

وأشد ما يستحق السخرية في سياسة الحرب أن يصبح الحفاظ على حياة القائد حكمة، بينما يتحوّل سعيُ الفرد أو المواطن العادي للحفاظ على حياته ضعفا في الإيمان بالقضية....