بين صخب الشعارات وهدوء الواقع

منذ 38 دقيقة

في زمن الأزمات والخلافات ترتفع الشعارات سريعاً، وتعلو الأصوات التي تتحدث باسم الكرامة والعزة والمواجهة. الكلمات تبدو كبيرة، جذابة، وقادرة على إشعال الحماس في قلوب الشعوب . لكن المشكلة ليس في الشعارات نفسها، بل في حين تتحول إلى ستار يخفي خلفه واقعاً مؤلماً، أو استخدام الشعارات وسيلة لدفع الشعوب نحو طرق لم تجلب لها سوى الخراب.
التاريخ مليء بالدروس. هناك دول رفعت الشعارات لسنوات طويلة، تحدثت عن المعارك الكبرى والانتصارات القادمة، لكنها في النهاية استيقظت على واقع قاس: اقتصاد مدمر، شعوب مرهقة، ومستقبل ضائع. 
الكلمات التي صرخوا بها كانت عالية، لكن الحياة اليومية للناس كانت تزداد صعوبة. ومع الوقت اكتشف الناس أن الضجيج لا  يغني ولا يسمن من جوع، وأن الشعارات لا تعيد استقرار وطن.
وفي المقابل، هناك دول اختارت طريقًا مختلفًا. لم ترفع الشعارات الكبيرة، ولم تدخل في سباقات الكلام الصاخب، بل ركزت على البناء والتنمية والاستقرار. جعلت التعليم والاقتصاد والأمن أولوياتها، فكانت النتيجة أوطاناً مستقرة وشعوباً تعيش بكرامة. 
المشكلة أن بعض الشعوب بطبيعتها تميل إلى العاطفة أكثر من الحسابات الهادئة. صحيح أن الكلمة المؤثرة قد تحرك الجماهير بسرعة، بينما الحقائق الهادئة تحتاج إلى صبر وتفكير. وهنا يجد أصحاب الشعارات فرصتهم؛ يخاطبون العاطفة، يرفعون سقف الوعود، ويقدمون المعارك على أنها الطريق الوحيد للكرامة، بينما يدفع الناس لاحقًا ثمن تلك الاندفاعات.

ولعل أهم درس يجب أن تتعلمه الشعوب هو التمييز بين من يخاطب مشاعرها ومن يعمل فعلاً لمصلحتها. فليس كل من يرفع شعار كبير صادق، وليس كل من يتحدث بهدوء ضعيف.
اليوم، في عالم تتسارع فيه التحديات، والصعوبات يجب على الشعوب عدم  الانجراف خلف الكلمات والشعارات الكاذبة، وان المستقبل يصنعه من ينظر إلى الواقع بعين واعية، ويوازن بين الحلم والإمكانات، وبين الكرامة والبناء، فالشعارات قد ترفع الأعلام لكن الأوطان لا تبنى إلا بالوعي.