من الديمقراطية إلى ضياع المؤسسات
لم تكن الدولة في يوم من الأيام مجرد سلطة حاكمة، بل كانت إطارًا يجمع الناس تحت قانون واحد ويمنحهم حداً أدنى من الاستقرار. وفي مراحل سابقة، عرف اليمن مساحة من العمل السياسي المفتوح، حيث تعددت الأحزاب، واشتغلت الصحافة، وكان التنافس رغم عيوبه يجري داخل مؤسسات الدولة.
لم تكن التجربة مثالية، لكنها كانت أقرب إلى مفهوم الدولة الجامعة مقارنة بما تلاها.
غير أن الديمقراطية لا تعتبر فقط بوجود صناديق اقتراع، بل بمدى الإيمان بقواعدها. وهنا بدأت الإشكالية: حين لم تعد بعض قوى المعارضة ترى في العملية السياسية طريقًا للتغيير، بل مجرد محطة مؤقتة.
بدل تطوير الأدوات الديمقراطية، اتجهت الصراعات نحو الشارع، ثم نحو كسر قواعد اللعبة نفسها. وعندما يتحول الخلاف السياسي إلى صراع صفري، تصبح الدولة كلها هدفاً، لا مجرد الحكومة.
وفي هذه الحظة المفصلية، لم يعد السؤال: من يحكم عبر الانتخابات؟ بل: من يفرض واقعًا على الأرض؟ ومع هذا التحول، تراجعت المؤسسات، وبرزت قوى مسلحة وتنظيمات خارج إطار الدولة، لكلٍ منها مشروعه وأدواته. ولم تعد السلطة تُكتسب عبر التوافق أو الصندوق، بل عبر السيطرة والنفوذ. وهكذا انتقل المشهد من تعددية سياسية مهما كانت ناقصة إلى تعددية قسرية تحكمها الجماعات.
النتيجة كانت تفككا تدريجيا لفكرة الدولة. كل جماعة تدير منطقة، وكل طرف يفرض قوانينه، وتعددت الولاءات على حساب الهوية الوطنية الجامعة. ومع غياب مركز موحّد، تراجعت الخدمات، وانهار الاقتصاد، وأصبح المواطن يدفع ثمن هذا التشظي في تفاصيل حياته اليومية. ولم يعد الحديث عن حكومة ومعارضة، بل عن قوى متنازعة، لكلٍ منها روايته ومصالحه.
من المهم الاعتراف بأن التجربة السابقة لم تكن خالية من الأخطاء: كانت هناك اختلالات بسيطة في العدالة، ومشكلات في توزيع السلطة، وفساد أضعف الثقة. لكن معالجة هذه العيوب كانت تتطلب إصلاحًا من داخل النظام، لا هدمه بالكامل. فإسقاط الدولة لا ينتج ديمقراطية أفضل، بل يفتح الباب لفراغ تملؤه القوى الأكثر قدرة على فرض نفسها، لا الأكثر قدرة على الحكم.
اليوم، يقف اليمن أمام نتيجة هذا المسار: دولة مُنهكة، ومجتمع منقسم، وثقة مفقودة. والخروج من هذا الواقع لا يكون بإعادة إنتاج الصراع، بل بالعودة إلى أساس الفكرة: دولة واحدة، قانون واحد، وسلطة تُستمد من إرادة الناس لا من فوهة القوة. إعادة بناء الدولة تعني أولًا الاتفاق على قواعد مشتركة لا يُسمح بكسرها، ثم استعادة المؤسسات، وإخضاع الجميع للمساءلة دون استثناء.