المقاومة الوطنية… وُلِدت من صلب النظام الجمهوري وإليه تنتمي

منذ ساعة

في لحظات الانهيار الكبرى تتكشف حقائق القوى الفاعلة في المشهد، ويظهر الفارق بين من يحمل السلاح دفاعًا عن فكرة دولة، ومن يرفعه بحثًا عن نفوذ أو غنيمة. ومن بين ركام الحرب التي عصفت باليمن، وفي خضم فوضى المليشيات وتعدد الولاءات، برزت قوات المقاومة الوطنية بقيادة الفريق الركن طارق محمد عبد الله صالح كظاهرة مختلفة في المشهد العسكري والسياسي؛ ليس لأنها قوة تقاتل فحسب، بل لأنها أعادت إحياء فكرة الجيش الجمهوري في لحظة بدا فيها أن الدولة تتراجع أمام سطوة الجماعات المسلحة.

لم تولد هذه القوة من فراغ، بل تشكّلت في قلب معركة الدفاع عن الجمهورية حين حاولت المليشيات الحوثية السلالية والطائفية مصادرة الدولة وفرض واقع جديد قائم على العصبية والأيديولوجيا المغلقة. في تلك اللحظة التاريخية، ظهر مشروع المقاومة الوطنية بوصفه امتدادًا طبيعيًا للمدرسة العسكرية الجمهورية التي تشكّلت عبر عقود طويلة من بناء الجيش الجمهوري، والتي تؤمن بأن السلاح يجب أن يكون في خدمة الدولة لا في خدمة الطائفة والجماعة، وأن القيادة العسكرية تُبنى على الخبرة والانضباط لا على الخطابة والشعارات.

لهذا لم تُبنَ المقاومة الوطنية على أساس حزبي ضيق أو ولاءات مناطقية، بل احتضنت في صفوفها مقاتلين من مختلف المحافظات والقبائل اليمنية من رجال الجيش السابق الذين يملكون الخبرة والكفاءة والعقيدة الوطنية، ليكون معيار الانتماء فيها هو الولاء للجمهورية واليمن، لا الارتباط بأي مرجعية مذهبية. وبهذا المعنى لم تكن مجرد تشكيل عسكري ظهر في الساحل الغربي، بل امتدادًا لروح الجيش الجمهوري الذي ظل حاضرًا في وجدان كثير من الضباط والجنود رغم العواصف التي ضربت البلاد.

وقد اسهمت القيادة العسكرية لهذه القوات دورًا محوريًا في ترسيخ هذا النموذج. فالفريق الركن طارق صالح جاء من خلفية ميدانية عسكرية عايشت المؤسسة من داخلها، وتمرست في قواعدها الصارمة، الأمر الذي انعكس على طبيعة البناء التنظيمي للقوة. لذلك ظهرت المقاومة الوطنية بهيكل واضح يقوم على الألوية والوحدات العسكرية المنضبطة، وعلى تسلسل قيادي مهني يعيد الاعتبار لفكرة الجيش المحترف بعد سنوات من الفوضى التي جعلت بعض الجبهات ساحة لقيادات مدنية طارئة لا تمتلك التأهيل العسكري الكافي.

وفي مقابل ثقافة المليشيا التي تعتمد التعبئة العقائدية والانقسام الطائفي، اختارت المقاومة الوطنية خطابًا مختلفًا يركز على فكرة دحر المشروع الحوثي الايراني واستعادة الدولة والهوية الوطنية الجامعة وعاصمتها صنعاء . فهي لا تقدم نفسها كقوة تمثل مذهبًا أو منطقة، ولا تبني مشروعها على استدعاء صراعات الهوية، بل تنطلق من مفهوم المواطنة والانتماء لليمن الجمهوري. ولهذا لم تعتمد على دورات تعبئة أيديولوجية أو خطاب تكفيري، بل على التدريب والانضباط العسكري والوعي الوطني بوصفهما الأساس الحقيقي لبناء قوة منظمة.

كما حاولت منذ نشأتها أن ترسخ ثقافة مؤسسية في التعامل مع الموارد والسلطة داخل التشكيل العسكري، بحيث يصبح الانضباط الإداري والمالي جزءًا من الانضباط العسكري نفسه، في مواجهة ظواهر الفساد والازدواج التي رافقت بعض التشكيلات ولازالت تعشعش في داخلها طيلة كل هذه السنوات. فالمعركة بالنسبة للمقاومة الوطنية ليست فقط في خطوط المواجهة، بل أيضًا في بناء نموذج مختلف يعيد الثقة بفكرة المؤسسة العسكرية اليمنية الكبرى.

وهكذا تبدو الرسالة التي تحملها هذه القوة واضحة في سياق الصراع اليمني: أن شرعية السلاح لا تُستمد من قوته النارية، بل من القضية الوطنية التي يدافع عنها، ومن التزامه بحماية الدولة وصون كرامة الإنسان. واليوم لم يعد هذا المعنى مجرد خطاب يُقال، بل حقيقة يشهد لها الواقع؛ فقد رأى الشعب اليمني في المقاومة الوطنية نموذجًا لقوة منضبطة تقاتل باسم الجمهورية لا باسم العصبية، كما يدرك الأشقاء والأصدقاء في الإقليم، بل وحتى القوى الدولية الكبرى، أنها تمثل أحد أكثر التشكيلات العسكرية التزامًا بفكرة الدولة والنظام. ومن هنا فإن البندقية التي ترفعها المقاومة الوطنية لا تستمد قيمتها من صخب الشعارات، بل من وضوح الهدف ونبل المهمة: حماية اليمن الجمهوري واستعادة الدولة.