الحرب الحَنَبَة… لو فهمت حاجة قل لي

منذ ساعة

في زمن التعايش الإجباري مع الحروب والأزمات،
تزدهر النكتة السياسية، ويهرع الناس إلى تفكيك غموض الأحداث بالطرفة والمثل الدارج…

على طريقة: “هم يضحك وهم يبكي”،
تصبح النكتة والمثل الشعبي وسيلة احتجاج مهذّبة،
وتكبيرًا للصورة بأقل جهد،
وتنفيسًا لشارعٍ يكاد يختنق من القصف السياسي…
ذلك القصف الذي – في كثير من الأحيان –
أعلى صوتًا وأكثر إزعاجًا من القصف العسكري نفسه.

بين الوعد والموعود… تكمن الحَنَبَة

المشكلة ليست في الحرب…
بل في العقول التي تديرها.

طهران وتل أبيب،
كلٌّ منهما يتصرف وكأنه وكيل السماء الحصري:
•تل أبيب تتحدث عن الوعد الموعود،
•وطهران تنتظر الفرج الموعود…

والمحصلة؟
مباراة بين غيبٍ وغيب… وأسطورةٍ تواجه أسطورة.

أما المنطقة؟
فتدفع الثمن… وتصبر صبر أيوب،
لا حبًا في الصبر… بل تحاشيًا لـ”الحَنَبَة”!

غريم حَنَبَة… تعريف عملي

في العامية، يُختصر هذا المشهد بعبارة:
“وقعنا في غريم حَنَبَة ”.

ويُشرح المعنى ببساطة:
غريمٌ لا هو بلطيف فتفهمه،
ولا بضعيف فترحمه،
ولا بشهم فتتحمّل باطله،
ولا بتافه فتتجاهله…

بل هو – كما يقولون –
“لا يُساق ولا يُقاد”.

بمعنى مختصر:
تحاوره تتعب… وتخاصمه تتورّط.

دولة شاخت… وساعة توقفت

في إيران، المشكلة ليست سياسية فحسب… بل “بيولوجية” أيضًا.

منذ 1988 – يوم تجرّع الخميني السم –
كأن الساعة السياسية توقفت.

الدولة تُدار بعقلية جيل لم يغادر زمنه،
ولا يثق إلا في نفسه،
ولا يرى في الشباب إلا “مشروع قلق”.

النتيجة؟
دولة بحجم إيران،
تُدار بعقلية أرشيف وحلقة حوزة…
لا بعقل مطابخ السياسة وصناعة القرار.

الشور شاب… والحكمة عمر (لكن الواقع يقول غير ذلك)

في الحروب:
الشباب يقاتلون ويُفاوضون،
والكبار يوجّهون ويفكرون…

هذا هو التوازن الطبيعي.

أما في ايران!
فالتوازن مفقود.

الجيل الأول حجز المقاعد،
والجيل الثاني خارج الصورة.

تُقتل قيادة…
فيأتي بديل أكبر سنًا!

وكأن الشرط:
“خبرة لا تقل عن 40 سنة…من نفس الجيل!”

حتى صار السؤال مشروعًا:
هل الدولة تُدار بشكل طبيعي… أم تُدار من قسم الأرشيف؟

ترامب… ظاهرة تحتاج شرحًا أكثر من الحرب

على الضفة الأخرى،
المشهد لا يقل غرابة.

رجل يتكلم كأنه يمزح،
ويمزح كأنه يهدد،
ويهدد كأنه يوقّع قرار حرب!

تصريحاته كأنها نشرات طقس:
“احتمال عاصفة… مع فرصة انعطاف مساءً!”

لكن على الأرض؟
الأساطيل تتحرك،
والمارينز يستعد،
والعسكريون يفهموا الرسالة…

أما الباقي؟
فلا يزال يحاول أن يفهم!

لو فهمت حاجة… قل لي

المشهد يذكّر بحكايات عن حرب الستينيات في اليمن…

حين قال أنور السادات – كما نقل هيكل:
“يا محمد والنبي… وانت راجع لو فهمت حاجة، ابقى قل لي!”

واليوم…
يمكنك أن تكرر العبارة،
لكن هذه المرة للعالم كله.

المحصلة: حَنَبَة من الطرفين

الدب الإيراني مثخن بالجراح… لكنه واقف،
والوحش الأمريكي يضرب… لكنه حذر.

الأول يراهن على الوقت،
والثاني يراهن على القوة…

وكلاهما عالق في سؤال واحد:
كيف تتفاوض مع عقلٍ لا يعترف بالواقع؟

الخلاصة: المنطقة بين خيارين… أحلاهما مُر

إيران في ورطة،
وأمريكا في “حَنَبَة”،
وإسرائيل في “حوسة”…

والمنطقة؟
في امتحان إجباري:
لا خروج من القاعة… ولا تأجيل.

إن سقطت إيران،
فُتح باب لا يقل خطورة.

وإن نجت،
فاستعدوا لنسخ جديدة من نفس الفيلم.

الخاتمة

باختصار:
نحن أمام مشهد،
إن حاولت أن “تكحّله”… قد تعميه.

ليست نزهة، ولن ينتهي بسهولة.
والفرجة… في مثل هذه الحالات مضيعة وقت.

أما إشعال النار أكثر؟
فهو – كما يقول البدو –
“آخر العلاج الكي”… موجع، وقد لا يُحتمل.

وفي إدارة الأزمات الكبرى،
لا تعجز الدول الفاعلة عن صناعة البدائل،
وخلق أوراق قوة تعيد ضبط المشهد…
دون الانزلاق إلى الصدام الكبير.