ميناء المخا.. فرصة تعود من عمق التاريخ

منذ ساعتين

على بُعد نحو 100 كيلومتر غرب تعز، وبالقرب من شريان الملاحة العالمية عند باب المندب، يقف ميناء المخا كحقيقة جغرافية لا تحتمل الإهمال، وكفرصة اقتصادية طال انتظارها. فموقعه ليس تفصيلاً عابراً، بل ورقة سيادية قادرة على إعادة تشكيل ملامح الاقتصاد اليمني إذا ما أُحسن استثمارها.

المخا ليس ميناءً طارئاً في سجل التاريخ، بل واحد من أقدم موانئ الجزيرة العربية، ارتبط اسمه بالحركة التجارية مبكراً، وبإرث “علي بن عمر الشاذلي”. وقد بلغ ذروة مجده في القرن السابع عشر، حين كان البوابة الأولى لتصدير البن اليمني إلى العالم، حتى غدا اسمه مرادفاً للبن في الأسواق الدولية. تلك المكانة لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة موقع استثنائي يتوسط طرق التجارة بين أوروبا وشرق إفريقيا وجنوب غرب آسيا.

اليوم، يعود الميناء إلى الواجهة، لا كحكاية من الماضي، بل كمشروع إنقاذ اقتصادي ضمن حزمة من المشاريع التنموية التي نفذتها وأعادت تأهيلها المقاومة الوطنية. فإعادة تأهيله ليست مجرد أعمال ترميم، بل خطوة جادة لكسر الاختناق الاقتصادي، وفتح منفذ جديد يخفف الضغط عن الموانئ الأخرى، ويمنح تعز واليمن نافذة حقيقية على حركة التجارة العالمية.

إن أهمية ميناء المخا لا تكمن في تاريخه فحسب، بل في قدرته على التحول إلى مركز منافس في حركة الملاحة بالبحر الأحمر، إذا ما توفرت الإرادة والإدارة الفاعلة. وهنا، يصبح تشغيله اختباراً حقيقياً لجدية الدولة في استعادة مواردها، لا مجرد مشروع يُضاف إلى قائمة الوعود المؤجلة.

تصريحات وزير النقل محسن العمري بشأن تسريع تشغيل الميناء  وتقديم تسهيلات عاجلة للتجار للاستيراد عبره، لم تكن ترفاً إعلامياً، بل تعبيراً عن ضرورة اقتصادية ملحة. فكل يوم تأخير يعني استمرار النزيف المالي، وتضييق الخناق على التجار، وإبقاء الاقتصاد رهينة لمنافذ محدودة.

ومع اقتراب لحظة التشغيل، تُقدَّر الجهود التي بذلتها قيادة المقاومة الوطنية بقيادة نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي الفريق أول ركن طارق صالح، سواء في إعادة تأهيل الميناء أو في إنشاء مطار المخا الدولي، بوصفها مشاريع استراتيجية وُلدت من رحم التحديات، لا من ظروف الاستقرار.

اليوم، يقف ميناء المخا أمام فرصة تاريخية: إما أن يستعيد بها مكانته كبوابة اقتصادية فاعلة، أو يُضاف إلى سجل الفرص الضائعة. القرار لم يعد مؤجلاً للتاريخ… بل بات استحقاقاً للحاضر الذي لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل.