في اليوم العالمي للصحافة… الصحفي اليمني بين القمع والتهميش
في اليوم العالمي للصحافة… عن ماذا أتحدث، بعد أن صودرت الكلمة، وحُجبت عن الرؤية، وأصبح الصحفي مجرماً تتخطفه الأطراف المتصارعة؟
أي معنى يبقى للحرية، حين يتحول القلم إلى تهمة، والصوت إلى خطر، والحقيقة إلى جريمة يُعاقب عليها صاحبها؟
كان اليمن يوماً ينعم بالأمن والأمان، وكانت الصحافة حرة، مكفولة، حاضرة في كل تفاصيل الحياة. صحف بأشكال وألوان، أكشاك على الأرصفة، مكتبات متنقلة وثابتة، وفضاء ثقافي واسع في صنعاء وعدن، المدينتين اللتين شكلتا الوجه الحقيقي لليمن، حيث كان الصحفي يجد مكانه الطبيعي ويؤدي رسالته كسلطة رابعة حقيقية.
في صنعاء، كانت الحياة الثقافية نابضة؛ مكتبات مثل مكتبة أبي ذر الغفاري، مكتبة الجيل الجديد، مكتبة خالد بن الوليد، مكتبة عبادي، دار الفكر، مكتبة النهضة، ومكتبة الشروق… إلى جانب بسطات الكتب في ميدان التحرير وشارع جمال، ودار الكتب، ومكتبات الجامع الكبير، والمقاهي الثقافية مثل كوفي كورنر وكافي بوك وصالون نون وكافيه ورد. كانت فضاءات مفتوحة للقراءة والنقاش.
وفي صنعاء القديمة، كانت المقاهي التراثية مثل سمسرة وردة ومقهى حاتم وثابت، ومقرات اتحاد الأدباء ونادي القصة والملتقيات الفكرية، تشكل برلماناً حقيقياً للكلمة الحرة.
وفي عدن، كانت مكتبة عبادي الأقدم في الجزيرة العربية، والمكتبة الوطنية (باذيب)، ومكتبة مسواط، ومقاهي سكران والشجرة والدبعي وكشر، وجولة الفل وأكشاك الصحف، تشكل ذاكرة المدينة الثقافية، حيث كانت الكلمة تُقرأ وتُناقش وتُصنع.
كان الأدباء يخرجون، يتصفحون، يقرؤون، يناقشون… كانت الحياة الثقافية مشهداً يومياً طبيعياً.
لكن اليوم، ونحن نحتفي بهذا اليوم، وأنا أحد الصحفيين الذين تعرضوا للاختطاف ومورس ضدي جميع أنواع التعذيب من قبل جماعة الحوثي الإرهابية، شعرت أن الصحفي لم يُضطهد كما اضطُهد عند هذه الجماعة.
هذه الجماعة التي ترى الصحفي مجرماً وإرهابياً، كلما مرت مناسبة لليوم العالمي للصحافة تعود الأحزان، وتعود صور الذل خلف الأقبية. نتذكر زملاء مغيبين مثل نبيل السداوي وآخرين خلف القضبان فقط لأنهم صحفيون.
لم تكتفِ جماعة الحوثي بالقمع، بل كانت الأولى في تدمير ما يخص الثقافة والصحافة والتعليم. دمرت المؤسسات الإعلامية، وحاربت حرية الرأي، وأغلقت الصحف، ولم تترك مساحة لصحيفة معارضة في صنعاء، ولا بيئة آمنة للعمل الصحفي.
تم تسريح آلاف الموظفين، واستبدالهم بعناصر طائفية مدربة، تعمل على تفكيك الفكر ونشر مفاهيم معادية للحريات، وإنتاج خطاب قائم على الشائعات والدعاية، لا على البناء.
نحن نعيش جفافاً قاسياً… جفاف الكلمة، جفاف الحرية… وكأننا في عصر ما قبل الميلاد.
لكن المأساة لا تتوقف هنا.
في مناطق الحكومة الشرعية، لا يبدو الوضع أفضل حالاً؛ بل هناك تهميش وحرمان وغياب احتواء، حيث يعيش الصحفي بين مخالب متعددة: نفوذ فاسد، وتجار حروب، وسلطات لا تؤمن بدور الإعلام إلا إذا خدمها.
يخشى الصحفي أن يتكلم…
لأنه يعلم أن الكلمة قد تكلفه حياته، أو حريته، أو حتى لقمة عيشه.
الصحفي اليمني يعيش بين تهديد مباشر وغير مباشر: إما التبعية أو الإقصاء. وكلما أراد أن يقول الحقيقة، تذكر أن هذه الجماعات قد تغيّبه، تقتله، تحاصره في لقمة عيشه، أو تحرمه من أطفاله.
فمن يحمي الصحفي؟
وأنا واحد من هؤلاء… مشرد ومطارد، لم أحصل على حقوقي.
ماذا أقول؟ وماذا سيقول الزملاء عن تفاصيل حياتهم اليومية؟
نعم… إنهم مستهدفون.
اليوم، لم يعد الصحفي في المشهد، بل حلّ مكانه “المفسبكون” والمشاهير، الذين يمدحون، يلمعون، ويكتبون للفاسدين والمجرمين، لأنهم يتبعون جماعات وأحزاباً وكينونات نافذة. بينما الصحفي الحقيقي أصبح مغيباً ومهمشاً.
انتشر الفساد، ومر اليمن بأسوأ مرحلة في تاريخه. بلد بلا موازنة، بلا رواتب، بلا مؤسسات رقابة، وبلا صحافة مستقلة.
الصحفي الذي يفترض أن يكشف الحقيقة، تم تغييبُه، واستُبدل بصناع الدعاية، بينما اليمن يُنهب طولا وعرضاً، وتُقسَّم ثرواته بين شبكات فساد لا ترى الوطن إلا غنيمة.
وأمام هذا الواقع، أصبح الصحفي مطارداً، مشرداً، مختطفاً، نازحاً، بلا وظيفة، يبحث عن لقمة العيش، وقد يعمل في بيع البطاط أو في مزرعة ليعيش.
نعم… لم يعد في اليمن صحافة مستقلة.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً:
من ينقذ الكلمة؟
ومن يعيد للصحفي مكانه الطبيعي في وطن أنهكته الحرب والسلطة والخذلان؟
في زمنٍ قد لا تصل فيه الرصاصة بعيداً… لكن الكلمة تصل إلى العالم كله…
ندرك أن المعركة الحقيقية ليست بالسلاح… بل بالكلمة.
في اليوم العالمي للصحافة…
لا نحتفل… بل نكتب لنَبقى.