الحسم المؤجل.. كلفة تتصاعد على اليمن والمنطقة
لم يعد تأخير الحسم العسكري في مواجهة مليشيا الحوثي مجرد خيار سياسي قابل للأخذ والرد، بل تحول مع مرور الوقت إلى عامل مباشر في تعميق الأزمة اليمنية وإطالة أمدها. فكل مرحلة “انتظار” لا تقود إلى تسوية حقيقية، تتحول عمليًا إلى مساحة إضافية تتمدد فيها المليشيا، وتعيد خلالها ترتيب أدوات السيطرة، وفرض واقع جديد بالقوة.
المشكلة لا تكمن فقط في استمرار الصراع، بل في طبيعة الطرف الذي يتم التعامل معه. فالحوثيون لا يمثلون مجرد حركة سياسية أو احتجاجية يمكن إدماجها في تسوية تقليدية، بل يحملون مشروعًا أيديولوجيًا مغلقًا يقوم على فكرة “الحق الإلهي” في الحكم، ويعيد إنتاج نموذج الإمامة بصيغة معاصرة. وهذا ما يجعل أي مقاربة تقوم على المساومات الجزئية أو الحلول المؤقتة غير كافية، بل قد تكون مضللة.
على الأرض، تبدو كلفة هذا التأخير واضحة وثقيلة. سنوات من الحرب أنتجت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع ملايين المحتاجين للمساعدات، وانهيار واسع في البنية التحتية، وشلل شبه كامل في الاقتصاد. لكن الأخطر من ذلك هو ما يجري داخل المجتمع، حيث تعمل المليشيا على إعادة تشكيل الوعي عبر التعليم والإعلام والخطاب الديني، بما يخدم مشروعها طويل الأمد.
الانتهاكات لم تتوقف عند حدود المواجهات العسكرية. فقد وثّقت تقارير حقوقية متعددة نمطًا ممنهجًا من القمع شمل الاختطافات، والإخفاء القسري، والتعذيب، ومصادرة الممتلكات. وكانت النساء من أكثر الفئات تضررًا، حيث تعرضت كثيرات للاحتجاز والانتهاك بسبب نشاطهن أو آرائهن، في محاولة لإسكات أي صوت معارض داخل المجتمع.
أما الأطفال، فقد وجدوا أنفسهم في قلب الصراع. عمليات التجنيد المستمرة حوّلت آلاف القُصّر إلى مقاتلين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، وتهديد مباشر لمستقبل جيل كامل، يتم تشكيل وعيه في بيئة عنيفة تنتج دورة صراع ممتدة يصعب كسرها لاحقًا.
ورغم صدور قرارات دولية تؤكد على إنهاء الانقلاب وتسليم السلاح والانسحاب من المدن، فإن غياب آليات تنفيذ فعّالة جعل هذه القرارات أقرب إلى إطار نظري غير ملزم. وهو ما استغلته المليشيا لتكريس واقعها على الأرض دون ضغط حقيقي يدفعها لتقديم تنازلات جوهرية.
إقليميًا، لم يعد تأثير الحوثيين محصورًا داخل اليمن، بل أصبحوا جزءًا من شبكة نفوذ أوسع تستخدم الصراعات المحلية لتحقيق أهداف استراتيجية. وهذا ما يفسر تصاعد التوتر في الممرات البحرية، وتهديد أمن الملاحة الدولية، وما يترتب على ذلك من انعكاسات اقتصادية عالمية.
في ظل هذا المشهد، يفرض خيار الحسم العسكري نفسه مجددًا، ليس كخيار مثالي، بل كخيار تفرضه الوقائع. فاستمرار الوضع الحالي يعني ببساطة استمرار النزيف، وتضاعف كلفة التعافي مستقبلًا. وبينما قد يكون الحسم مكلفًا على المدى القصير، فإن كلفة اللا حسم تبدو، وفق المعطيات، أكثر خطورة واستدامة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الحل في البعد العسكري وحده. فالمسار المستقبلي يحتاج إلى مقاربة شاملة تجمع بين الضغط العسكري، والتحرك السياسي، والمعالجة الاقتصادية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. لكن الشرط الأساسي لأي تسوية قابلة للحياة هو وجود توازن حقيقي في القوة يمنع فرض الأمر الواقع.
اليمن اليوم يقف أمام معادلة صعبة: إما استمرار إدارة الأزمة، أو الانتقال إلى إنهائها. وبين الخيارين، تتحدد ملامح المستقبل. غير أن ما لا يمكن تجاهله هو أن كلفة التأخير لم تعد نظرية، بل تُدفع يوميًا من حياة الناس وفرص الاستقرار وإمكانية بناء دولة قابلة للبقاء.
وفي لحظة كهذه، لم يعد السؤال: هل يمكن الحسم؟
بل: كم سيكلفنا تأجيله أكثر؟