حين ينطق المبعوث بما تريده مليشيا الحوثي.. من ينصف الضحايا؟
يثير الخطاب الصادر عن المبعوث الأممي إلى اليمن جدلاً متزايداً لا سيما فيما يتعلق باستخدامه لمصطلحات توصيفية مثل “أنصار الله” عند الإشارة إلى مليشيا الحوثي إلى جانب حديثه المتكرر عن “النزاع” والدعوة للإفراج عن المحتجزين “على خلفية النزاع” ليس هناك نزاع أبداً على أرضية بل واقع واضح يتمثل في انقلاب على مؤسسات الدولة.
يعرف المبعوث الأممي ويشهد الواقع والتاريخ أن ما جرى في اليمن هو انقلاب مكتمل الأركان على مؤسسات الدولة، وهذه اللغة رغم أنها تبدو دبلوماسية ومحايدة في ظاهرها تطرح تساؤلات عميقة حول دلالاتها السياسية وانعكاساتها على مسار القضية اليمنية.
فالتوصيفات ليست ألفاظاً في العمل الأممي فحسب بل تحمل في طياتها اعترافات ضمنية وإشارات سياسية، وعندما يتم استخدام تسمية تفضلها المليشيا نفسها وتثير حفيظة اليمنيين وآلاف الضحايا، فإن ذلك قد يُفهم لدى شريحة واسعة على أنه نوع من التخفيف من طبيعة الصراع أو إعادة صياغته من كونه انقلاباً على الدولة إلى مجرد “نزاع” بين أطراف متكافئة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: أي نزاع يُقصد هل هو نزاع سياسي بين قوى متنازعة أم صراع نتج عن انقلاب مسلح على مؤسسات الدولة؟ هذا التوصيف ليس تفصيلاً لغوياً بل نقطة محورية تحدد طبيعة الحلول المطروحة وحدود المسؤوليات القانونية والسياسية.
كما أن تجاهل الإشارة الصريحة إلى القرارات الدولية وعلى رأسها القرار 2216 يعزز هذه التساؤلات، فهذا القرار الذي يمثل مرجعية أساسية للحل في اليمن ينص بوضوح على جملة من الالتزامات من بينها انسحاب مليشيا الحوثي من المدن وتسليم السلاح، وعندما يغيب هذا الإطار عن الخطاب الأممي أو يتم تجاوزه ضمنياً فإن ذلك قد يُفهم كإضعاف للمرجعيات الدولية المتفق عليها.
من زاوية أخرى يرى منتقدو هذا النهج أن الاستمرار في استخدام لغة فضفاضة قد يسهم في إطالة أمد الأزمة عبر خلق حالة من الضباب السياسي الذي يساوي بين الأطراف ويغفل جذور المشكلة، في المقابل يدافع آخرون عن هذا الخطاب باعتباره جزءاً من مقاربة دبلوماسية تهدف إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع جميع الأطراف باعتبار أن الوسيط الأممي يحتاج إلى لغة مرنة تمكنه من أداء دوره.
لكن بين ضرورات الدبلوماسية ومتطلبات الوضوح تبقى الإشكالية قائمة: إلى أي مدى يمكن للغة أن تظل محايدة دون أن تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع، وهل يمكن تحقيق سلام مستدام دون توصيف دقيق لطبيعة الصراع وأسبابه؟
في المحصلة لا يتعلق الجدل بالألفاظ بقدر ما يتعلق بما تعكسه من مواقف وما تترتب عليها من مسارات فالكلمات في العمل السياسي ليست محايدة تماماً بل قد تكون مدخلاً لتكريس فهم معين للأزمة أو حتى إعادة تعريفها، وبين هذا وذاك يبقى الرهان الحقيقي على وضوح المرجعيات واحترام القرارات الدولية والعمل الجاد للوصول إلى حل يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها فقط.