المقاومة الوطنية في ذكراها الثامنة.. من ولادة الفكرة إلى هندسة القوة وبناء الدولة
في لحظة لا تُقاس بزمن عابر، بل تُقاس بما تخلّفه في مسار الأمم من تحولات كبرى، تطل الذكرى الثامنة لتأسيس المقاومة الوطنية كعتبةٍ فاصلة بين زمن الانكسار وزمن إعادة تشكيل الإرادة. ليست مناسبة احتفالية بقدر ما هي استدعاء لمسارٍ تشكّل من بين الرماد، حين أدركت قوى وطنية أن استعادة الدولة لا تُمنح، بل تُنتزع.
منذ اللحظة الأولى، لم يكن المشروع الذي حمله العميد الركن طارق صالح مجرد رد فعل على انقلاب، بل رؤية تتجاوز حدود الجغرافيا الضيقة إلى إعادة تعريف معنى القوة المنظمة في معركة اليمن المصيرية. قوة تُبنى على الانضباط، لا على الارتجال، وعلى العقيدة الوطنية الجامعة لا على الاصطفافات الضيقة.
في الساحل الغربي، حيث المخا والخوخة وحيس وذوباب، لم تكن الأرض مجرد مسرح عمليات، بل مختبراً لبناء نموذج مختلف؛ طرق تُشق من العدم، وموانئ تُستعاد حيويتها، ومؤسسات تُعاد صياغتها على أسس دولة تُراد لها العودة من تحت الركام. امتدت خطوط التحول من شارع واحد في المخا إلى شبكة طرقات تربط الساحل ببعضه، وتفتح مسارات جديدة للحياة في مدينة استعادت هدوءها بعد أن كانت ساحة صراع مفتوح.
في هذا المسار، برزت المقاومة الوطنية ككيان لا يكتفي بالفعل العسكري، بل يشتبك مع تفاصيل الحياة اليومية: الإغاثة، إعادة الإعمار، دعم أسر الشهداء، وتثبيت حضور الدولة في مناطق كانت خارج حسابات الاستقرار. هنا لم يعد القتال منفصلاً عن التنمية، بل جزءًا من هندسة شاملة لإعادة بناء الإنسان والمكان معًا.
وعلى مستوى الخطاب العسكري، تتجسد هذه الرؤية بوضوح في ما عبّر عنه العميد صادق دويد خلال زيارته لمأرب، وهي الزيارة التي جاءت في سياق تنسيق ميداني مع القيادات العسكرية واطلاع على جاهزية الجبهات. وفي لقاء أجريته معه عبر إذاعة “صوت المقاومة” في الساحل الغربي، أكد أن “الجيش واحد، والقضية واحدة، والعدو واحد”، مشددًا على أن معركة اليمن ليست تعدد جبهات، بل وحدة هدف في مواجهة مشروع يستهدف الهوية والجمهورية معًا.
لم تكن تلك الكلمات توصيفًا عابرًا، بل تلخيصًا لوعيٍ عسكري يتشكل في قلب الميدان، يرى أن الحوثي لا يمثل خصمًا عسكريًا فقط، بل مشروعًا يسعى لإعادة إنتاج الدولة على أساس كهنوتي، وإلغاء منجزات ثورة 26 سبتمبر، واستبدالها ببنية سلطوية مغلقة، وهو ما يجعل المواجهة معه دفاعًا عن هوية وطن بأكمله، لا مجرد صراع عسكري.
المشروع الذي تصفه هذه المرحلة لا يقف عند حدود السلاح، بل يمتد إلى وعي سياسي جديد يرى أن معركة الدولة لا تُحسم في الجبهات وحدها، بل في إعادة بناء المعنى ذاته للدولة والشرعية والهوية.
وفي هذا السياق، برزت المقاومة الوطنية كإحدى التشكيلات التي سعت إلى بناء نموذج أكثر انتظامًا في بنية القوات المناهضة للانقلاب، قائم على التدريب، وضبط الإيقاع العسكري، وخلق حالة من التماسك العملياتي في بيئة شديدة التعقيد. هذا التطور لم يكن معزولًا، بل جاء ضمن سياق دعم إقليمي أسهمت فيه المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات في إعادة تشكيل قدرات القوات اليمنية.
لكن ما يميز هذا المسار ليس فقط البعد العسكري، بل التحول التنموي المصاحب له. فحين تتحول المخا إلى مدينة أكثر انتظامًا، وحين تُربط مناطق الساحل بخطوط أسفلتية ومشاريع خدمية، فإننا لا نكون أمام إعادة إعمار تقليدية، بل أمام محاولة لإعادة تعريف الدولة من بوابة الفعل لا الشعارات.
وفي عمق هذا المشهد، تقف الشهادة بوصفها جوهر المعنى لا هامش التضحية، حيث تتحول مقابر الشهداء في الساحل الغربي إلى ذاكرة سياسية حية تُعيد تعريف معنى الثبات، وتؤكد أن كل مكسب على الأرض كان له ثمن دُفع بوعي كامل بأن الدولة لا تُستعاد بلا كلفة.
اليوم، ومع دخول المقاومة الوطنية عامها الثامن، لا يُطرح السؤال عن وجودها، بل عن عمق أثرها في إعادة تشكيل موازين القوة في اليمن. فالمعادلة التي تتبلور تدريجيًا تقوم على تداخل العسكري بالسياسي، حيث لا يمكن لأي تسوية أن تنجح دون قوة على الأرض تفرض حدًا أدنى من التوازن.
إن ما يتشكل في هذا السياق ليس مجرد استمرار لمعركة، بل انتقال نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، تُعاد فيها صياغة مفاهيم الدولة، والجيش، والشرعية، ضمن واقع لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة. غير أن الثابت الوحيد حتى الآن هو أن المقاومة الوطنية لم تعد مجرد اسم في ساحة الصراع، بل باتت أحد عناوين التحول في معركة استعادة اليمن.
وهكذا، بين الميدان والخطاب، بين الساحل والعمق الوطني، تتشكل ملامح مرحلة جديدة، عنوانها أن الدولة لا تُستعاد بالانتظار، بل بالفعل، وأن القوة حين تُضبط ضمن مشروع وطني، تصبح هي الطريق الأقصر نحو استعادة المعنى الكامل للجمهورية.