خمس سنوات تعيد رسم المعركة

منذ ساعة

لم يعد الصراع في اليمن مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع مشاريع: مشروع دولة يسعى للعودة، ومشروع مليشيا يعمل على تكريس واقع إرهابي يعمل بالوكالة لأنظمة خارجية.

وفي هذا المشهد المعقد، شكّل تأسيس المكتب السياسي للمقاومة الوطنية نقطة تحول فارقة، نقلت المعركة من التشتت إلى التنظيم، ومن ردود الأفعال إلى الفعل الاستراتيجي.

خمسة أعوامٍ مضت، ليست أرقامًا في رزنامة الزمن اليمني المثقل بالجراح ما بين النزوح والتشريد والحرب، بل كانت زلزالاً سياسياً أعاد ترتيب الأولويات في معركة الوجود وأحدث هزة يسجلها التاريخ. منذ اللحظة الأولى لتأسيس المكتب السياسي للمقاومة الوطنية، كان الهدف أبعد من تشكيل كيان جديد؛ كان الهدف خلق "رافد استراتيجي" يجمع بين البندقية المقاتلة والحكمة السياسية، ليكون جسراً يعبر عليه اليمنيون نحو استعادة عاصمتهم المسلوبة.

تعالوا نتحدث كصحفيين ومتابعين وكُتّاب: قرأنا كثيرًا عن رجل كرس جل حياته للعمل العسكري والمقاتلة، وجمع بين السياسة والمجتمع والعسكرية، ملمًا بكل تفاصيل أحداث اليمن، وخصوصًا حروب صعدة. الفريق الركن طارق محمد عبد الله صالح ليس مجرد قائد عسكري، بل سياسي محنك يمتلك تجربة واسعة في العمل الوطني، وهو مقرب جدًا من أقوى رجل حكم اليمن، عمه الشهيد الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح الذي اغتالته أيادي الغدر والخيانة المتمثلة في كيان جماعة الحوثي الإرهابية، وله علاقات وثيقة مع كبار ودهاة وحكماء اليمن.
هذا التقارب منح الفريق طارق قدرة استثنائية على فهم المشهد السياسي والاجتماعي العميق في البلاد، واستيعاب تعقيدات القبائل والمجتمع المدني، وهو ما نلحظه في كثير من تحركاته على الأرض. بالإضافة إلى ذلك، يمتلك شبكة واسعة من العلاقات داخل المؤسسة العسكرية والقيادات الوطنية، مما جعله قادرًا على قيادة المشروع السياسي والعسكري للمقاومة الوطنية بخبرة ومهارة فائقة، محققًا توازنًا بين العقل العسكري والحكمة السياسية، وراسخًا دور المقاومة الوطنية كرافد استراتيجي في معركة استعادة الدولة.

أولاً: خماسية البناء.. من الشتات إلى المؤسسة
يرى باحثون سياسيون أن القوة الحقيقية للمكتب السياسي تكمن في قدرته على احتواء الجميع دون تفرقة، متجاوزاً ندوب الماضي ليرسم ملامح الحاضر. فالمكتب لم يولد من فراغ، بل خرج من رحم تجربة سياسية عريقة متمثلة في حزب المؤتمر الشعبي العام، مما منحه خبرة تراكمية مكنته من التحرك بمرونة في أعقد الظروف.
ثانياً: وحدة الصف
مثّل تأسيس المكتب دعوة صريحة لجمع الكلمة تحت راية الجمهورية اليمنية ومظلة المجلس القيادي الرئاسي.
العمق الشعبي: يتمتع الكيان بقاعدة جماهيرية وأنصار في مختلف المحافظات، مما جعله رقماً صعباً في المعادلة الوطنية.
ثالثاً: الجيش الوثاب
خلف هذا الكيان السياسي، يقف جيش عملاق تم بناؤه في كل سهل ووادٍ، ليكون الضامن الفعلي لتنفيذ الرؤية الوطنية.
رابعاً: فلسفة القائد: لا عدو إلا "السرطان الحوثي"
في كل ظهور له، يجدد الفريق الركن طارق محمد عبد الله صالح التأكيد على أن الهم الأكبر هو اجتثاث "السرطان الحوثي" الذي جثم على صدور اليمنيين. وبحكمة القائد الذي يداوي الجراح ليلم الشتات، يرسخ الفريق طارق عقيدة قتالية وسياسية مفادها أن اليمن سيعود إلى المدن والقرى، وأن ليل الطاغوت مهما طال، فإن فجر الجمهورية قادم لا محالة.
"إننا لا ننظر إلى الخلف، بل نتغاضى عن الماضي لنبني المستقبل؛ فمعركتنا هي استعادة صنعاء المحتلة من قبل وكلاء إيران، وإعادة اليمن إلى محيطه العربي والإقليمي" — من وحي رؤية الفريق طارق صالح.
رسالة الذكرى: نحو معركة الحسم
إن الذكرى الخامسة ليست مجرد احتفال، بل هي نداء لكل الأطراف اليمنية بضرورة التوحد تحت قيادة القائد الأعلى للقوات المسلحة. فالمقاومة الوطنية اليوم، بما تملكه من نخب وعمالقة، تدرك جيدًا خطر الأجندة الإيرانية التي تنفذها الميليشيا، وهي تعمل جاهدة لتسريع معركة الحسم وتخليص الشعب من ويلات الحرب الضروس.
خمسة أعوام كانت كفيلة بأن تُحدث ما يشبه "الهزة" في مسار الصراع، ليس فقط من حيث الإنجاز، بل من حيث إعادة الأمل. وكأن المشروع كان يخاطب اليمنيين: نحن هنا، في قلب المعركة، نحمل همكم، ولم ننسكم رغم قسوة الحرب.
لقد حرص الفريق طارق صالح، في أكثر من مناسبة، على طمأنة الشارع اليمني بأن "اليمن سيعود إلى مدنه وقراه، وأن هذا الظلام لن يدوم"، وهي رسائل انعكست على الأرض عبر إعادة بناء تشكيلات عسكرية منظمة واستعادة زمام المبادرة في أكثر من جبهة.
اليوم، تقف المقاومة الوطنية كمشروع متكامل، لا يقف عند حدود الجغرافيا، بل يمتد إلى إعادة ترميم الوعي الوطني، وجمع الشتات، وتجاوز جراح الماضي، والنظر إلى المستقبل بعين الدولة لا بعين الانتقام.
خمسة أعوام كانت كافية لإعادة الأمل، وبناء جيش لا يعرف المستحيل، ومكتب سياسي يقرأ الواقع بعين الحقيقة. اليمن اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها العريض: صنعاء هي الوجهة، والجمهورية هي الغاية.
خمس سنوات مضت… وما زالت المعركة مستمرة، لكن هذه المرة بمشروع دولة، لا مجرد رد فعل.