من المخا.. حكاية صوت لا يموت

منذ ساعتين

حين انطلقنا في الطريق الطويل نحو مدينة المخا، لم تكن الرحلة مجرد مشاركة في فعالية أو حضور ندوة عابرة، بل بدت الطريق نفسها كأنها عبور في ذاكرة اليمن… في صوته… وفي حكايته التي لم تنقطع رغم كل العواصف التي مر بها هذا البلد.
هناك، التقيت بكوكبة من الإعلاميين والإذاعيين الذين اجتمعوا في هذه المدينة التاريخية للاحتفاء بالإذاعة، ذلك الصوت الذي ظل صمام أمان لليمنيين كلما حاول الآخرون الطعن في هويتهم الوطنية. لم يكن ثمة تمايز بين مذيع أو مدير مكتب إعلامي؛ الجميع حضروا ليؤكدوا أن الصوت الحر يبقى أقوى من كل محاولات الطمس والتشويه.
وجاء التكريم بحضور الأستاذة إيمان النشيري رئيس دائرة المرأة في مكتب المقاومة، والأستاذ سلطان محمود مدير مديرية المخا، في مشهد عكس تقدير المجتمع لدور الإعلام والإذاعة تحديدًا في حماية الوعي العام.
وصلنا المخا.. المدينة التي تعرف البحر جيدًا، وتدرك معنى أن تكون بوابة لليمن نحو العالم. وعلى أرضها احتفلنا باليوم العالمي للإذاعة؛ هذا المنبر الذي قد يبدو بسيطًا في شكله، لكنه عظيم في أثره.
فالإذاعة ليست جهازًا يوضع في زاوية الغرفة، ولا موجة عابرة في الهواء. في اليمن كانت —وما تزال— صوت الإنسان حين تضيق المسافات، وصوت الحقيقة حين تتكاثر الضوضاء.
أتذكر طفولتي جيدًا…
كان جهاز الراديو رفيقي اليومي. أحمله معي إلى السطح، إلى الحقل، إلى زوايا البيت الصغيرة. في النهار، تحت شمس اليمن الدافئة، كنت أتنقل بين الموجات كما يتنقل طفل بين الأحلام، وفي الليل كان صوت المذيع يملأ السكون، وكأن العالم كله يهمس عبر ذلك الصندوق الصغير.
كنت أعشق إذاعة مونتكارلو؛ ذلك الصوت الذي كان يعبر المسافات ليستقر في القلب. أتابع الأخبار، وأستمع إلى البرامج الثقافية، وأصغي للحكايات والأغاني التي جعلت العالم أوسع من حدود القرية، وأكبر من جغرافيا المكان.
في تلك الأيام، لم تكن الإذاعة وسيلة ترفيه فقط، بل نافذتي الأولى على العالم. كانت مدرسة مبكرة تعلمت منها قبل الصفوف الدراسية؛ منها بدأت الأسئلة، ومنها تشكل الوعي، ومنها أدركت أن للكلمة قوة، وأن للصوت رسالة.
ومن صنعاء إلى عدن، ومن تعز إلى الحديدة، صنعت الإذاعات اليمنية وجدان أجيال كاملة. نقلت نبض الشارع، ووثقت اللحظة، وقدمت الثقافة والفن والمعرفة، ووصلت إلى القرى البعيدة حيث لا صحف ولا شاشات، لكنها كانت تصل دائمًا إلى القلوب.
لقد خدمت الإذاعة المجتمعات المحلية والنائية بصدق؛ قدمت برامج للمرأة والطفل وكبار السن، وتحدثت عن الصحة والزراعة والتعليم والمناخ. كانت دليلًا يوميًا للحياة، تبني وعيًا هادئًا ومتراكمًا دون صخب أو استعراض.
واليوم، ونحن نحتفل بها من المخا، ندرك أن الإذاعة لم تعد مجرد ذكرى دافئة من الطفولة، بل ضرورة وطنية في زمن تختلط فيه الحقيقة بالتضليل.
ففي مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، تحوّل الإعلام إلى أداة لترويج أفكار دخيلة وإعادة تشكيل الوعي وفق مشروع ضيق. هناك لم يعد الصوت صوت الإنسان، بل صوت الأيديولوجيا، ولم تعد الكلمة مساحة حرة، بل وسيلة تعبئة مغلقة.
وهنا تكمن أهمية الإذاعة الحرة…
أن تبقى صوت اليمن الجمهوري.
أن تبقى منبرًا للناس لا منصة للدعاية.
أن تبقى مساحة للنقاش لا أداة للإقصاء.
فالإذاعة لا تحتاج إلى كهرباء قوية ولا إلى إنترنت سريع؛ تحتاج فقط إلى موجة صادقة وصوت يؤمن برسالته. ولهذا ستظل قادرة على الوصول إلى حيث تعجز وسائل أخرى.
في المخا، بين البحر والذاكرة، نستعيد تلك اللحظة الأولى التي حملنا فيها جهاز الراديو بيد صغيرة وقلب كبير. نستعيد دهشة الطفل، ويقين الرجل بأن الصوت الحر لا يمكن مصادرته.
الإذاعة في اليمن ليست مجرد تاريخ…
إنها ذاكرة وطن،
وصوت جمهورية،
وحكاية إنسان قاوم العتمة بالصوت.
وما دام هناك من يؤمن بالكلمة…
فإن هذا الصوت لن يموت.