بين التعويم القسري والتسعير الإداري.. هل تغيّر النهج الاقتصادي أم تبدلت الأسماء؟

منذ ساعتين

منذ أن نجحت الحكومة الشرعية وقيادة البنك المركزي اليمني التابع لها في وقف التعامل الداخلي والخارجي مع البنك المركزي الواقع تحت سيطرة المليشيا الحوثية في العاصمة المختطفة صنعاء، وألزمت البنوك التجارية بنقل مقراتها الرئيسة إلى العاصمة المؤقتة عدن، بدا أن مرحلة جديدة من إدارة الملف النقدي قد بدأت.

غير أن التحولات التي رافقت هذه الخطوات لم تقتصر على إعادة التموضع المؤسسي، بل امتدت إلى طبيعة السياسة النقدية نفسها. فبدلاً من الاعتماد على أدوات اقتصادية تقليدية تقوم على العرض والطلب، والمؤشرات الكلية، والاستقرار المالي، اتجهت الحكومة وبنكها المركزي إلى أسلوب قائم على القوة والتهديد بالعقوبات لضبط السوق.

وهو الأسلوب ذاته الذي اعتمدته المليشيات الحوثية حين فرضت بقوة السلاح سعراً ثابتاً لصرف الدولار عند 540 ريالاً يمنياً، والريال السعودي عند 139 ريالاً، بعيداً عن أي معايير اقتصادية حقيقية.

قبل بضعة أشهر، أعلنت الحكومة تحسناً في قيمة الريال اليمني وتراجعاً في سعر الصرف بنحو 40%، وحددت سعر الدولار عند 1617 ريالات، والريال السعودي عند 425 ريالاً. غير أن هذا التحسن المعلن لم يستند إلى مقومات تعافٍ اقتصادي واضحة، مثل زيادة الصادرات، أو انخفاض التضخم، أو تعزيز الاحتياطات الأجنبية، أو تحقيق استقرار سياسي، أو جذب استثمارات خارجية مباشرة.

لذلك، لم ينعكس ما وُصف بـ"التحسن" على الأسواق بصورة ملموسة. فقد ظلت أسعار السلع والخدمات في معظمها عند مستوياتها السابقة، ولم يشهد السوق سوى تراجعات طفيفة لبعض السلع لا ترقى إلى ربع نسبة انخفاض سعر الصرف المعلن.

واليوم، وبعد تشكيل الحكومة الجديدة، وفي وقت لا يزال المواطن ينتظر انخفاضاً حقيقياً في الأسعار والخدمات يتناسب مع التحسن النقدي السابق، أصدر البنك المركزي تسعيرة جديدة حدّد فيها سعر الدولار عند 1558 ريالاً، والريال السعودي عند 410 ريالات، في تعديل طفيف أضاف مزيداً من الضبابية إلى المشهد.

هذا التذبذب في القرارات، بين إعلان تحسن كبير ثم تعديل جديد، يعمّق حالة عدم اليقين لدى التجار والمستهلكين على حد سواء، ويضعف الثقة في السياسة النقدية، ويزيد من كلفة المخاطر في السوق.

المواطن، الذي يرزح تحت أعباء معيشية متفاقمة، لم يعد يحتمل نتائج ممارسات اقتصادية عشوائية وقرارات ارتجالية لا تستند إلى أسس علمية واضحة. فالمشكلة لم تعد في الأرقام المعلنة، بل في غياب الأثر الحقيقي على حياة الناس.

إن استعادة الثقة تتطلب سياسة نقدية شفافة، قائمة على مؤشرات واقعية، وتنسيقاً كاملاً بين السياسة المالية والنقدية، وإجراءات حقيقية لدعم الإنتاج وتعزيز الموارد، لا الاكتفاء بتحديد أسعار صرف إدارية.

فالمواطن اليوم لا يبحث عن أرقام جديدة تُعلن في نشرات الأخبار، بل عن حكومة تعمل بجد لتخفيف معاناته، وتضع استقرار معيشته في مقدمة أولوياتها.