تجاوز السيادة.. أذرع إيران الأمنية تطارد "أشباح" المعارضة في الخارج

  • عدن، الساحل الغربي:
  • منذ ساعتين

لم تعد الأزمة الإيرانية محصورة داخل حدود البلاد، لكنها امتدت لتشمل الجاليات الإيرانية في الخارج، بالتوازي مع تحولات عسكرية وسياسية متسارعة داخل بنية النظام نفسه.. وبينما تُصعد طهران أدوات القمع خارج أراضيها، يرى محللون أن الضغوط والحرب الأخيرة قد تدفع النظام نحو مزيد من التشدد، وربما نحو لحظة حاسمة في مستقبله.

القمع يتجاوز الحدود

ووفقاً لتقرير نشرته مجلة إنجلسبيرج، أعلنت السلطات القضائية الإيرانية مؤخراً إجراءات غير مسبوقة تستهدف الإيرانيين في الخارج، شملت التهديد بمصادرة الممتلكات وفرض عقوبات تصل إلى الإعدام، في حال ثبوت ما وصفته بـ"التعاون مع العدو".. وقد صيغت هذه الاتهامات بعبارات فضفاضة، ما يفتح الباب أمام استهداف واسع للمعارضين والنشطاء.

هذا التوجه لا يُعد جديداً من حيث المبدأ، إذ دأبت الجمهورية الإسلامية على مدى عقود على ملاحقة معارضيها في الخارج، عبر المراقبة والترهيب، وصولاً إلى الاغتيالات.. غير أن اللافت اليوم هو تصاعد وتيرة هذه السياسة واتساع نطاقها، ما يعكس قلقاً متزايداً داخل النظام.

من باريس إلى برلين: سجل طويل من الاستهداف

تاريخياً، شكلت أوروبا ساحة رئيسية لنشاطات طهران خارج حدودها، مستفيدة من وجود بعثات دبلوماسية وبنية تحتية رسمية؛ ومن أبرز العمليات: اغتيال رئيس الوزراء الأسبق شابور بختيار في باريس (1991)، واغتيال معارضين أكراد في برلين (1992)، وإحباط محاولة تفجير مؤتمر للمعارضة الإيرانية في باريس (2018).

وتشير هذه الحوادث بحسب التقرير، إلى نمط متكرر من استخدام الغطاء الدبلوماسي لتنفيذ عمليات أمنية خارجية.

نقطة التحول

وشكلت احتجاجات عام 2022، المعروفة بشعار "نساء، حياة، حرية"، نقطة مفصلية في علاقة النظام بالشتات الإيراني.. فقد تحولت الجاليات في أوروبا وأمريكا الشمالية من دور هامشي إلى فاعل سياسي مؤثر، عبر تنظيم مظاهرات وحملات ضغط إعلامي وسياسي، وربط الداخل الإيراني بالرأي العام الدولي.

بلغ هذا الحراك ذروته في فبراير/شباط، عندما شارك أكثر من مليون شخص في فعاليات تضامنية عالمية، بينها 250 ألف متظاهر في ميونيخ وحدها.. ولم يعد الخطاب مقتصراً على الإصلاح، حيث تطور إلى دعوات صريحة لتغيير النظام، والمطالبة بتدخل دولي.

هذا التحول بحسب التقرير، دفع طهران إلى إعادة تصنيف الشتات من "معارضة مزعجة" إلى "تهديد استراتيجي".

التخويف والمراقبة

ومع تصاعد هذا الدور، كثفت إيران أنشطتها الاستخباراتية ضد مواطنيها في الخارج، بما في ذلك مراقبة المشاركين في الاحتجاجات، وجمع بياناتهم عبر السفارات، وتهديدهم بالاعتقال عند العودة.

كما برزت دعوات متزايدة في الغرب لإغلاق السفارات الإيرانية، باعتبارها مراكز تنسيق لهذه الأنشطة.

الحرب والتشدد.. هل اقتربت النهاية؟

وفي سياق مواز، يناقش تقرير صادر عن منتدى الشرق الأوسط تداعيات الحرب الأخيرة على طبيعة النظام الإيراني.. ويرى كاتبه مايكل روبين أن الضربات التي استهدفت قيادات عليا لم تُضعف النظام فحسب، لكنها دفعته نحو مزيد من التشدد.

نظام أكثر تطرفاً.. لكن أضعف؟

ويرى التقرير أن صعود شخصيات أكثر تشدداً داخل النظام ليس مفاجئاً، بل هو نتيجة طبيعية، حيث يميل الأكثر تطرفاً إلى الصمود في أوقات الأزمات.. غير أن هذه الظاهرة تحمل في طياتها نقطة ضعف؛ إذ أن العديد من عناصر الحرس الثوري الإيراني ليسوا عقائديين بالكامل، وبعضهم بدأ يتجنب تنفيذ أوامر خطرة حفاظاً على حياته، والانقسامات الداخلية قد تتسع تحت الضغط العسكري.

ويؤكد التقرير أن ما يسمى بـ"التيار المعتدل" لم يكن يوماً قادراً على إحداث تغيير حقيقي، لكنه ساهم في إطالة عمر النظام.

استراتيجية الضغط

ويطرح التقرير رؤية أكثر حدة، مفادها أن إضعاف الحرس الثوري هو المفتاح لأي تغيير جذري.. ويقارن الوضع بتجارب تاريخية مثل كمبوديا، حيث صمد المتشددون حتى النهاية.

وبحسب هذا الطرح، فإن استمرار الضغط العسكري والسياسي قد يؤدي إلى تفكك تدريجي داخل مؤسسات النظام، وهروب القيادات أو انهيارها، وتمهيد الطريق لمحاكمات شبيهة بنورمبرغ.

صراع متعدد الجبهات

تكشف المعطيات المتقاطعة أن إيران تواجه اليوم تحدياً مركباً؛ "داخلياً" أزمة شرعية واحتجاجات مستمرة، و"خارجياً" ضغط عسكري واستهداف للقيادات، و"دولياً" نشاط متصاعد للشتات الإيراني.

وبينما تحاول طهران تصدير أدوات القمع إلى الخارج لاحتواء هذا التهديد، فإن هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر تدويل الأزمة وتسريع عزلتها.

في المحصلة، لم يعد الصراع على مستقبل إيران محصوراً داخل حدودها، حيث بات يُخاض في عواصم العالم، وبين جالياتها المنتشرة، في معركة مفتوحة قد تعيد رسم ملامح النظام برمته.

ذات صلة