الخرافة وسيلة الجماعات الدينية المتطرفة للسيطرة على أتباعها

منذ ساعتين

لا تعتمد الجماعات الدينية ذات الطابع الأيديولوجي المغلق على القوة العسكرية أو النفوذ السياسي وحدهما بل تبني جزءاً كبيراً من سلطتها على صناعة منظومة فكرية تجعل الفرد يرى العالم من خلال عدسة الجماعة فقط وفي كثير من الأحيان تكون الخرافة أو المبالغات الدينية أو التأويلات الانتقائية للنصوص إحدى أهم الأدوات المستخدمة لإخضاع الأتباع وقياس درجة ولائهم، لأن الإنسان الذي يقبل فكرة لا تخضع للنقد أو العقل يصبح أكثر استعداداً لقبول أي توجيه سياسي أو اجتماعي يصدر عن القيادة؛ ففي المجتمع اليمني الذي يمتلك إرثاً دينياً واعراف وعادات وتقاليد عميقة وجدت الحركات العقائدية بيئة مناسبة لاستثمار العاطفة الدينية وتحويلها إلى وسيلة تعبئة وحشد، فبدل أن يكون الدين مصدراً للأخلاق والتعايش والإصلاح تحاول بعض الجماعات تقديمه بوصفه مشروعا سياسياً مغلقاً يحتكر الحقيقة ويقسم المجتمع إلى فسطاطين؛ مؤمنين بالفكرة أو معادين لها.
ومن الأمثلة الحية والتي فُرضت على المواطن اليمني الاحتفاء بما يسمى "يوم الولاية" لدى جماعة الحوثي، حيث يُقدم هذا الحدث باعتباره ركيزة للشرعية السياسية والدينية في آن واحد، ويُربط بمفاهيم الطاعة والاصطفاء الإلهي وبغض النظر عن الخلفية العقدية لهذا الاعتقاد فإن توظيفه سياسياً يخلق لدى الأتباع شعوراً بأن معارضة القيادة ليست مجرد خلاف سياسي بل خروج على الأمور الدينية وهنا تتحول الفكرة إلى أداة للضبط الاجتماعي لأن الفرد يخشى أن يُنظر إليه كمنشق عن العقيدة قبل أن يكون معارضاً للسلطة. على الضفة الأخرى ارتبط الخطاب التقليدي لجماعة الإخوان المسلمين لعقود بفكرة إعادة "الخلافة الإسلامية" باعتبارها المشروع الجامع للأمة وقد تحولت هذه الفكرة في بعض الأدبيات السياسية إلى حلم مثالي يتجاوز تعقيدات الواقع واختلاف المجتمعات والدول الحديثة وعندما يُربى الأتباع على أن تحقيق هذا الهدف هو الغاية العليا فإنهم يصبحون أكثر استعداداً لتبرير التحالفات والصراعات والمواقف السياسية المتغيرة تحت شعار أن الغاية الكبرى تبرر الوسائل المرحلية.
المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود معتقدات دينية أو رؤى فكرية مختلفة، فالتنوع جزء طبيعي من أي مجتمع وإنما في استخدام هذه الأفكار كاختبار للولاء، فكلما قبل الفرد رواية يصعب مناقشتها أو إخضاعها للعقل والنقد ازدادت ثقة القيادة بأنه أصبح جزءاً من المنظومة المغلقة وأنه سيتلقى التعليمات المستقبلية دون اعتراض؛ لأن اليمن خلال العقود الأخيرة قد عاني ومازال يُعاني من نتائج هذا النمط من التفكير حيث تحولت الخلافات السياسية إلى صراعات ذات طابع ديني وهوياتي وأصبح المواطن البسيط وقوداً لمعارك لا تخدم مصالحه المباشرة، فالطالب الذي كان من المفترض أن ينشغل بالتعليم، والعامل الذي يبحث عن لقمة العيش، والمزارع الذي يكافح من أجل أرضه، وجد نفسه محاصراً بخطابات تعبويه تقوم على استحضار الماضي وصناعة رموز مقدسة وتخوين المختلف.
إن أخطر ما تفعله الجماعات الأيديولوجية المغلقة هو أنها تنقل مركز التفكير من العقل إلى الطاعة ومن البحث عن الدليل إلى التسليم المطلق ومن الانتماء للوطن إلى الانتماء للتنظيم وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة يصبح من السهل توجيهه نحو الصراع والكراهية والانقسام؛ من المهم جداً في هذا الصدد أن اليمن حالياً بحاجة إلى خطاب مختلف خطاب يعيد الاعتبار للدين باعتباره قيمة أخلاقية وإنسانية تجمع الناس ولا تفرقهم، ويؤكد أن الشرعية السياسية تُبنى على إرادة المواطنين ومصالحهم المشتركة لا على ادعاءات الاصطفاء أو الوعود التاريخية أو الأحلام الأيديولوجية، فالأوطان لا تُبنى بالخرافات وإنما بالعلم والوعي والنقد الحر والمجتمعات التي تمتلك شجاعة السؤال هي وحدها القادرة على حماية نفسها من كل من يحاول توظيف المقدس لتحقيق مكاسب دنيوية أو سلطة سياسية.