المراكز الصيفية الحوثية.. مصانع الموت الصغيرة

منذ ساعتين

الدور الطبيعي المناط بالمؤسسات التربوية رسم سياسات وخطط وبرامج صيفية تشترك فيها عدة وزارات ومؤسسات ومنظمات تحاول إعداد برامج ترفيهية وتربوية وثقافية ووطنية للأطفال في فترة الصيف وإشغالهم بمعارف تفيدهم وتنمية مهاراتهم الحياتية والمعرفية، لكن في اليمن بسبب انهيار الدولة وسيطرة المليشيات المسلحة المتطرفة على مؤسسات الدولة أول طلقة رصاصة لها كانت في صدر المجتمع اليمني من خلال تعطيل مؤسسات الدولية التربوية والثقافية والاقتصادية، ليسهل لها إعادة تشكيل هوية المجتمع من خلال نشأة جيل يحمل أفكارهم ويدافع عنها بإرادة قوية وعزيمة لا تقهر، فالجيل موجود ولكن الأداة غائبة وقد اهتدوا إلى خلق أعياد دينية ومذهبية وطائفية لا يعرفها المجتمع وقاموا باستغلال المؤسسات التربوية والمنشآت الرياضية والثقافية لنشر سمومهم وزرعها في عقول بيضاء لم تتعرض لكثير من تجارب الزمن، فوجدوا الأطفال هم الصيد الثمين لهم فاستبدلوا المدارس بالمتارس ودعموا الدورات التدريبية المغلقة بدلاً من الفصول الدراسية المفتوحة، واستغلوا غاية المراكز الصيفية التي كانت تقيمها الدولة ووجدوا فيها ضالتهم، لأن الاسر والمجتمعات تنتظر مواسم العطلات لتمنح أطفالها فسحة من الفرح والتعلم الحر، لكن تبرز مفارقة قاسية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، حيث تتحول المراكز الصيفية إلى بيئات مغلقة تعيد صياغة الطفولة بلغة لا تشبهها، هذه المراكز الحوثية لا تُقاس قيمة الطفل عندهم بما يكتشفه أو يبدعه بل بمدى استجابته لخطاب مُلقن يختزل العالم في معادلات صراع ويُقصي كل ما عداها ما يُفترض أن يكون مساحة للرياضة والفنون والقراءة يُعاد تشكيله ليصبح أداة تأثير عميق في عقول لم تكتمل بعد فيتحول الصيف من موسم نمو إلى محطة لإعادة التوجيه.
وهذه المراكز لديها برامج موحدة حيث تم استبدال الأنشطة الترفيهية ببرامج يومية مُحكمة تُغلف رسائلها بطابع طائفي وأيديولوجية يتخرج الطفل من الدورة الصيفية بلهجة مختلفة ونظرة حادة تجاه محيطه فيردد عبارات لم تكن جزءاً من قاموسه ويتحدث بثقة عن قضايا أكبر من سنه دون فهم عميق لها، بل ويغرسون في عقولهم أن الالتحاق بهذه المراكز الصيفية أكثر أهمية من الالتحاق بالمدارس العامة أو الاهلية؛ وفي هذا الصدد وكمختصين في المجال النفسي والتربوي ومن خلال الرد على استفسارات الاسر لوضع ابنهم العائد من هذه المراكز الحوثية نكتشف أن المسألة لا تقتصر على الخطاب النظري بل تمتد إلى ممارسات تُطبع العنف بشكل مباشر في سلوكيات الطفل من خلال عرض مشاهد ورموز تُقدم المواجهة بوصفها خياراً طبيعياً وتُستخدم أناشيد وشعارات تعزز الانقسام وتُضفي عليه بعداً عاطفياً، ويتم تنظيم أنشطة تحاكي أجواء عسكرية بشكل مبسط ما يجعل الأطفال يتعاملون مع فكرة السلاح كجزء مألوف من الحياة اليومية، هذا النوع من التكييف النفسي لا يمر دون أثر؛ إذ يبدأ الطفل في إعادة تعريف مفاهيم القوة والنجاح والبطولة وفق معايير ضيقة تُقصي قيم التعاون والتنوع.
هنا قد يتساءل البعض: أين دور الاسرة؟ نقول لهم الأسر في كثير من الأحيان يجدون أنفسهم أمام خيار صعب جراء الضغوط التعسفية لمشرفي الحوثي في تلك الاحياء بالدفع بأبنائهم الى تلك المعامل الصيفية الحوثية، وكذلك ظروفهم الاقتصادية التي تدفعهم للبحث عن أي نشاط مجاني يشغل وقت أبنائهم خاصة في ظل غياب بدائل حقيقية، كل تلك الممارسات بحق الأطفال في هذه المراكز المتطرفة تفتح الباب أمام تأثيرات طويلة الأمد ستظهر تدريجياً في سلوك الأطفال وتوجهاتهم، فعندما تركز الاسر على أبنائهم العائدين من هذه المراكز سيجدون تغيراً واضحاً في طريقة تفاعل ابنهم مع ألعابه المفضلة وأصدقائه المقربين، وستظهر عليه اعراض الميل للعزلة وأقل تقبلاً للاختلاف، وهو ما لم يكن جزءاً من شخصيته سابقاً.
هذه التحولات وإن بدت فردية عابرة وبسيطة فهي تعكس أسلوباً أوضح للتكيف النفسي الذي بدأ بالظهور على سلوك الطفل وسيكون له تأثير تراكمي، خصوصاً أن هذه المعسكرات الصيفية تُدار في بيئة مغلقة ما يصعب على الاسر تقييم ما يجري داخلها، هذا الغموض يمنح القائمين عليها مساحة واسعة لتوجيه المحتوى دون مساءلة ويُضعف قدرة الاسرة والمجتمع (لن نقول المدرسة لأنهم مسيطرون على المدرسة أيضاً) على موازنة التأثير ومع مرور الوقت تتشكل فجوة بين ما يتلقاه الطفل في اسرته وما يغرس فيه داخل هذه المراكز ما يخلق حالة من التناقض الداخلي قد تُترجم لاحقاً إلى سلوكيات غير متزنة.
لقد أشار علماء النفس إلى أن الطفولة ليست مرحلة يمكن العبث بها دون تبعات، فهي الأساس الذي يُبنى عليه وعي الإنسان ونظرته للعالم حين يُحرم الطفل من حقه في بيئة تعليمية متوازنة ويُدفع نحو تبني مواقف لم يخترها بحرية، فإن ذلك يُعد انتهاكاً لحقه في النمو الطبيعي، والمجتمعات التي تسمح بتحويل مساحات التعلم إلى أدوات تعبئة تُخاطر بإنتاج أجيال تعيش في حالة دائمة من التوتر والانغلاق غير قادرة على التفاعل الإيجابي مع محيطها. 
إن مواجهة هذا الواقع الذي فرضته مليشيات الحوثي لا يتطلب فقط نقداً إعلامياً بل يستدعي تحركاً مجتمعياً حقيقياً لإعادة تعريف دور المراكز الصيفية وضمان أن تكون منصات مفتوحة للتعلم والإبداع، لا أدوات لتوجيه الفكر في اتجاه واحد والعمل على توفير بدائل آمنة وتعزيز دور الأسرة وفتح قنوات رقابة شفافة كلها خطوات ضرورية لاستعادة التوازن، فالمعركة الحقيقية ليست على السيطرة المؤقتة بل على بناء إنسان قادر على التفكير الحر والمشاركة في مجتمع متنوع.
في النهاية لا يمكن فصل مستقبل أي مجتمع عن الطريقة التي يُعامل بها أطفاله اليوم، إذا كانت المراكز الصيفية تُستخدم لتضييق آفاقهم بدل توسيعها فإن الخسارة لا تقتصر على جيل واحد بل تمتد لتطول النسيج الاجتماعي بأكمله، وإن استعادة الطفولة من قبضة التوجيه القسري وإعادتها إلى مسارها الطبيعي كمرحلة للعب والتعلم والاكتشاف ليست رفاهية بل ضرورة وجودية لضمان مستقبل أكثر توازناً وإنسانية.