فاتورة مضاعفة على تخوم الموت.. لماذا يدفع سكان خطوط التماس في تعز 3 أضعاف كلفة الاتصالات والإنترنت؟
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ ساعة
لم تقتصر آثار حرب مليشيا الحوثي الإرهابية على الجوانب المعيشية المباشرة في مدينة تعز المحاصرة، بل امتدت بشكل أعمق لتطول البنية الخدمية الأساسية التي يعتمد عليها السكان في تسيير تفاصيل حياتهم اليومية، وفي مقدمتها خدمات الاتصالات والإنترنت التي أصبحت اليوم جزءًا لا يمكن الاستغناء عنه في مجالات العمل والدراسة والتواصل.
هذه الخدمات التي يُفترض أن تكون متاحة بشكل عادل وموحّد داخل النطاق الجغرافي، باتت في بعض المناطق محملة بأعباء مالية إضافية وغير مبررة، خصوصًا في الأحياء القريبة من خطوط التماس، حيث يشكو السكان من فروقات واضحة في الأسعار عند شحن الرصيد أو تفعيل باقات الإنترنت، رغم أن هذه المناطق تقع إداريًا ضمن نطاق المدينة المحررة.
وتتجسد هذه الإشكالية بصورة أكثر وضوحًا في عدد من الأحياء الواقعة على تخوم خطوط التماس، مثل الروضة والتوحيد وأجزاء من مديرية صبر، حيث يلاحظ السكان أنهم يتعاملون فعليًا مع تسعيرات مختلفة عن تلك المعتمدة في بقية أحياء المدينة، وكأنهم ينتمون إلى نطاق جغرافي وخدمي منفصل.
هذا التفاوت في الكلفة لا ينعكس فقط على قيمة الفاتورة الشهرية، بل يخلق شعورًا متزايدًا بعدم العدالة في توزيع الخدمات الأساسية، ويطرح في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية حول آلية تصنيف المناطق داخل شبكات الاتصالات، والمعايير التي تعتمدها شركات الخدمة وموزعوها في تحديد الأسعار، في ظل واقع معقد تتداخل فيه الاعتبارات التقنية مع الانقسامات الإدارية التي فرضتها المليشيا.
واقع معقد
يصف سكان الأحياء القريبة من خطوط التماس في تعز واقعهم بأنه معقد ومركب، إذ لا تنحصر معاناتهم في المخاطر أو صعوبة التنقل، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة التي باتت تشكل عبئًا إضافيًا على الأسر.
في هذه المناطق، يلاحظ السكان أن عملية شحن الرصيد أو تفعيل باقات الإنترنت لا تتم بالسعر الموحد المعتمد داخل المدينة، بل تُحتسب عليهم كلفة أعلى، الأمر الذي يجعل الخدمة الأساسية أكثر تكلفة مقارنة بمناطق أخرى لا تبعد سوى مسافات قصيرة داخل المدينة نفسها.
يقول أمجد العديني، أحد سكان حي التوحيد في مدينة تعز، في حديثه لـ"الساحل الغربي"، إن الفجوة في تسعير خدمات الاتصالات بين أحياء المدينة باتت تشكل عبئًا متصاعدًا على السكان، وتكشف عن خلل واضح في آليات تصنيف المناطق وتحديد الكلفة.
ويوضح العديني أن المواطنين في وسط المدينة يدفعون نحو 2500 ريال يمني مقابل باقة إنترنت من شركة يمن موبايل، في حين يُجبر سكان بعض الأحياء القريبة من خطوط التماس، ومنها حي التوحيد، على دفع ما يصل إلى 7500 ريال يمني مقابل الباقة نفسها، رغم أن هذه المناطق تقع جغرافيًا وإداريًا ضمن نطاق المدينة المحررة.
ويشير إلى أن هذا التفاوت في الأسعار لم يكن قائمًا بهذه الصورة سابقًا، لكنه برز بشكل أكبر في الفترة الأخيرة بعد اعتماد ما يُوصف بإعادة تصنيف للمناطق ضمن شبكات الاتصالات، حيث جرى التعامل مع المدن والمناطق عبر ما يشبه نظام "بوابتين" أو نطاقين تشغيليين؛ البوابة الشمالية التي تُصنّف على أنها تشمل المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، والبوابة الجنوبية التي تمثل المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية.
ووفقًا لهذا التصنيف، يتم تحديد أسعار الخدمات والباقات بشكل مختلف تبعًا للنطاق الذي يُسجَّل فيه رقم المستخدم أو يُربط به تقنيًا، ما أدى إلى خلق فجوة سعرية واضحة حتى داخل المدينة الواحدة.
ويضيف العديني أن هذا التصنيف لم يراعِ الواقع الجغرافي المعقد لمدينة تعز، حيث تمتد الأحياء السكنية بشكل متداخل قرب خطوط التماس، ما جعل مناطق كاملة مثل التوحيد وزيد الموشكي والروضة، إضافة إلى عدد من المناطق الريفية في مديرية مقبنة وغيرها، تُعامل تقنيًا وكأنها ضمن نطاق غير محرر، رغم أنها تخضع إداريًا لسيطرة الحكومة الشرعية.
ويؤكد أن هذا الوضع أدى إلى فرض أسعار مضاعفة على السكان دون أي مبرر واضح أو آلية شفافة تشرح أسباب هذا الاختلاف في التسعير، مضيفًا أن هذه الفجوة السعرية لم تعد حالة فردية أو مؤقتة، بل أصبحت نمطًا يوميًا متكررًا يعيشه السكان مع كل عملية شحن رصيد أو تفعيل باقة إنترنت، الأمر الذي حوّل خدمة الاتصالات من وسيلة أساسية للتواصل والعمل إلى عبء مالي إضافي يثقل كاهل الأسر.
ويشير إلى أن هذا العبء يزداد حدّة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها معظم الأسر في تعز، نتيجة تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل فارق الأسعار في خدمات الاتصالات عامل ضغط إضافي يفاقم من هشاشة الوضع المعيشي ويزيد من شعور السكان بعدم المساواة في الحصول على الخدمات الأساسية.
تشطير غير عادل
منذ سنوات الحرب، شهد قطاع الاتصالات في اليمن حالة من الانقسام الإداري والتقني بين مناطق مختلفة، انعكس ذلك على طريقة إدارة الشبكات وتوزيع الخدمات، بما في ذلك آليات التسعير والتصنيف الجغرافي للمستخدمين.
هذا الانقسام أدى إلى ظهور أنظمة متعددة لإدارة الشرائح والاتصالات، حيث تم تصنيف المستخدمين بناءً على نطاقات جغرافية أو شبكية مرتبطة بمراكز التحكم في الخدمة، ما يجعل بعض المناطق تخضع لتسعيرات مختلفة رغم تقاربها الجغرافي.
وفي حالة مدينة تعز، ينعكس هذا التشابك التقني بشكل مباشر على مناطق التماس، التي تقع بين نطاقين إداريين وأمنيين مختلفين، الأمر الذي يضع سكانها في منطقة رمادية من حيث تصنيف الخدمة وكلفتها.
ويتحدث سكان محليون لـ"الساحل الغربي"، أن ما يحدث لا يمكن اعتباره مجرد خلل تقني أو اختلاف عابر في أنظمة الفوترة، بل هو حالة مستمرة من التشطير الخدمي الذي يضع مناطق التماس في خانة تسعيرية أعلى، رغم أنها تقع إداريًا ضمن نطاق المناطق المحررة في المدينة.
ويقول بعض المواطنين، إن محلات بيع خدمات الاتصالات وشحن الرصيد تعتمد تسعيرة موحدة مرتبطة بأنظمة الشركات المزودة للخدمة، إلا أن هذه الأنظمة تقوم أحيانًا بتصنيف الأرقام أو المواقع الجغرافية بشكل يجعل سكان هذه الأحياء خاضعين لتسعيرة أعلى، كما لو كانوا في مناطق مختلفة كليًا.
هذا الواقع يخلق فجوة واضحة في العدالة الخدمية، حيث يدفع السكان نفس الخدمة لكن بكلفة مضاعفة، وهو ما يثير استياءً واسعًا في أوساط المجتمع المحلي، خاصة مع غياب تفسير رسمي واضح لهذه الفروقات في الأسعار.
أثر اقتصادي
لا تقف تداعيات هذه المشكلة عند حدود فاتورة الاتصالات فقط، بل تمتد لتؤثر على النشاط الاقتصادي والمعيشي للسكان، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على الإنترنت في العمل والتعليم والتواصل.
وتمثل كلفة الإنترنت المرتفعة بالنسبة للطلاب عائقًا أمام الوصول إلى المحتوى التعليمي والمنصات الدراسية، فيما يواجه العاملون في الأعمال الحرة والتجارة الإلكترونية صعوبة في تغطية تكاليف الاتصال المستمر بالشبكة، ما ينعكس على مستوى الدخل والإنتاجية.
فيما تجد الأسر ذات الدخل المحدود نفسها مضطرة لتقليل استخدام الإنترنت أو التراجع عن بعض الخدمات الأساسية لتخفيف العبء المالي، وهو ما يوسع فجوة الوصول إلى المعلومات والخدمات الرقمية بين مختلف شرائح المجتمع.
الاتصالات.. أداة ضغط
في زمن حرب المليشيا الإرهابية، لم تعد الخدمات الأساسية بمنأى عن تأثيرات الحرب، بل أصبحت في بعض الحالات جزءًا من أدوات التحكم غير المباشر في الحياة اليومية للسكان. ويشير مراقبون إلى أن قطاع الاتصالات، باعتباره أحد أكثر القطاعات حساسية واعتمادًا على البنية التحتية المركزية، قد تأثر بشكل مباشر بالانقسام الإداري والسياسي، ما جعل آليات تشغيله عرضة للتجاذبات والتأثيرات غير المتوازنة.
وفي هذا السياق، تتحول الخدمة من مجرد وسيلة اتصال إلى عنصر اقتصادي يمكن أن يتأثر بالتصنيفات الجغرافية والإدارية، ما ينعكس في النهاية على المستخدم النهائي الذي يدفع الثمن الأكبر.
ومع استمرار هذه الفجوة في التسعير، بدأت آثارها تتجاوز الجانب الاقتصادي لتصل إلى البعد الاجتماعي، حيث يشعر السكان في مناطق التماس بنوع من التمييز الخدمي مقارنة ببقية أحياء المدينة.
هذا الشعور يفاقم الإحساس باللامساواة داخل النسيج الحضري الواحد، ويعزز من حالة الانقسام غير المرئي بين أحياء المدينة، كما يساهم هذا الواقع في زيادة الضغط النفسي على السكان، الذين يعيشون تحت ظروف استثنائية نتيجة الحرب، ما يجعل أي عبء إضافي، حتى لو كان مرتبطًا بخدمة بسيطة مثل الاتصالات، عاملًا مؤثرًا في جودة الحياة العامة.
حلول تنظيمية
في ظل هذا الواقع المتفاقم، تتصاعد الدعوات المحلية إلى إعادة النظر بشكل جاد في آليات تصنيف المناطق داخل شبكات الاتصالات، بما يضمن إنهاء حالة التباين غير المبرر في تسعير الخدمات داخل المدينة الواحدة، وتحديدًا في مدينة تعز التي تعيش وضعًا جغرافيًا وأمنيًا معقدًا بفعل خطوط التماس.
ويطالب السكان بضرورة توحيد التسعيرة الخدمية دون تمييز بين الأحياء، باعتبار أن الخدمة الأساسية مثل الاتصالات والإنترنت ينبغي أن تخضع لمبدأ المساواة داخل النطاق الإداري الواحد، لا أن تُجزأ وفق اعتبارات تقنية أو أمنية غير واضحة للمستهلك النهائي.
كما يشدد المواطنون على أهمية الكشف عن السياسات والمعايير التي تعتمدها شركات الاتصالات وموزعو الخدمة في تحديد الأسعار، وتوضيح الأسس التي يتم بموجبها تصنيف الأرقام والمناطق جغرافيًا أو شبكيًا، بما يحد من حالة الغموض التي تحيط بآلية التسعير الحالية، معتبرين أن غياب الشفافية في هذا الجانب يفتح المجال أمام تفاوتات سعرية غير مبررة، ويضع المستهلك في موقع ضعيف أمام نظام معقد لا يمتلك القدرة على فهمه أو الاعتراض عليه بشكل فعّال.
ويرى مختصون في قطاع الاتصالات أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب مقاربة متعددة المستويات، تبدأ بتعزيز التنسيق بين الجهات التنظيمية وشركات الاتصالات العاملة في البلاد، لضبط آليات التسعير وتوحيدها وفق معايير واضحة وثابتة، مرورًا بإعادة تقييم البنية التقنية التي تُستخدم في تصنيف المستخدمين جغرافيًا وربطهم بمناطق معينة.
ويرى مراقبون أن هذه الأزمة تُظهر أن تداعيات الحرب لم تعد محصورة في الجوانب العسكرية أو الإنسانية المباشرة، بل امتدت لتطول بنية الخدمات الأساسية التي تمس الحياة اليومية بشكل مباشر، حيث تحولت الاتصالات من خدمة عامة إلى عبء اقتصادي إضافي يعمّق الفجوة الاجتماعية ويؤثر على استقرار الأسر.
ومع استمرار غياب الحلول التنظيمية الواضحة، يجد السكان أنفسهم أمام واقع يفرض عليهم تكاليف أعلى مقابل خدمات يفترض أن تكون متاحة بعدالة وضمن تسعيرة موحدة داخل المدينة نفسها، وبذلك، يتحول ملف تسعير الاتصالات في مناطق التماس إلى مؤشر واضح على الحاجة الملحة لإصلاحات تنظيمية وتقنية شاملة، تضمن إنصاف المستهلكين، وتعيد ضبط العلاقة بين البنية الخدمية والواقع الجغرافي، بما يخفف من حدة الاختلالات المتراكمة، ويؤسس لبيئة أكثر عدالة واستقرارًا في تقديم الخدمات الأساسية.