الحوثي ورقة إيران الخاسرة في الجزيرة العربية والخليج

منذ ساعة

اعتقدت طهران لفترة طويلة أن السيطرة على صنعاء عبر ميليشيا الحوثي ستمنحها تفوقاً جيوسياسياً يضمن لها ابتزاز دول الخليج والهيمنة على خطوط الملاحة الدولية، لكن الواقع الميداني أثبت عكس ذلك تماماً؛ حيث تحول هذا النفوذ من ورقة ضغط مفترضة إلى عبء استنزاف ثقيل يرهق الاقتصاد الإيراني المنهك، واليوم لم يعد الحوثيون يمثلون ذلك التهديد الوجودي الذي صورته الدعاية الإيرانية بل أصبحوا دليلاً ساطعاً على فشل استراتيجيتها والتي تتضح من خلال دفع طهران ثمناً باهظاً مقابل نفوذ هش لا يُغنيها عن الخسارة الاستراتيجية الكبرى التي تلقتها وتتلقاها اليوم؛ بحيث تكمن المشكلة الأساسية في أن طهران تعاملت مع اليمن كأرض فارغة يمكن تشكيلها وفق أهوائها متجاهلة التعقيدات الاجتماعية والسياسية للمجتمع اليمني هذا التجاهل أدى إلى تحول الميليشيا من أداة تنفيذية إلى عبء أمني وسياسي وبدلاً من أن تكون عصابة الحوثي درعاً يحمي المصالح الإيرانية أصبحوا هدفاً مكشوفاً يستنزف الحرس الثوري مالياً وعسكرياً لأن إمداد الميليشيا بالسلاح والمال لم يعد يخدم استراتيجية إقليمية مدروسة بل تحول إلى عملية إنقاذ مستمرة لمنع انهيار كامل للأداة التي صنعتها طهران بيدها مما يكشف عن هشاشة السيطرة وفقدان البوصلة في إدارة الملف اليمني.
على الصعيد الإقليمي أدت هذه الحسابات الخاطئة إلى نتائج عكسية تماماً على الأمن الخليجي فبدلاً من إخضاع دول الخليج دفع التصعيد الحوثي هذه الدول إلى تعزيز تحالفاتها وتطوير قدراتها الدفاعية والهجومية وتوحيد رؤاها الأمنية بشكل غير مسبوق لقد أدركت العواصم الخليجية أن التنازل أو التهدئة أحادية الجانب لن يجدي نفعاً مما دفعها إلى اتخاذ إجراءات حاسمة ستغير معادلة الردع، والشاهد على ذلك أصبحت اليوم القدرات العسكرية الخليجية قادرة على حماية الممرات المائية والرد على أي تهديد مما جعل ورقة الابتزاز الحوثي تفقد قيمتها تماماً وتحولت من تهديد حقيقي إلى مجرد ضجيج إعلامي لا يغير من موازين القوى شيئاً؛ أما على الصعيد الداخلي الإيراني يدفع الشعب الإيراني الثمن الأكبر من هذا المشروع الفاشل في وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني من تضخم قياسي وبطالة مرتفعة وعقوبات دولية خانقة وتدمير لمقدرات شعب حيث تذهب مليارات الدولارات من خزينة الدولة لتمويل حرب لا نهاية لها في منطقة الجزيرة والخليج، هذا النزيف المالي لم يعد مقبولاً من قبل الشارع الإيراني الذي يندد بتبديد ثرواته على حساب لقمة عيشه إن استمرار طهران في دعم الميليشيا الحوثية لم يعد يمثل أولوية أمنية بل أصبح نقطة خلاف داخلية تزيد من حالة السخط الشعبي وتضعف تماسك ما تبقى من داخل النظام وتكشف التناقض الصارخ بين شعارات التصدير الخارجي والواقع المعيشي المأساوي للمواطن الإيراني.

ما أود الإشارة إليه أن التجارب أثبتت أن بناء النفوذ على أنقاض الدول وتدمير الشعوب هو مسار حتمي نحو الفشل بحيث لم تُعد ميليشيا الحوثي تمثل تاجاً لاستراتيجية إيرانية بل أصبحت ثقلاً غارقاً يسحب طهران نحو الهاوية وإن الحسابات الخاطئة لا تدوم والوهم لا يمكن أن يبني دولة وفي النهاية ستدرك طهران أن الخسارة الحقيقية ليست في تراجع نفوذها في صنعاء بل في إهدارها لعقود من الدماء والأموال في مشروع أثبت الزمن أنه كان مجرد سراب وإن نهاية هذا المشروع لن تكون مجرد انسحاب عسكري بل ستكون اعترافاً تاريخياً بأن إرادة الشعوب لا تُقهر وأن من يحاول ركوب موجة الفوضى سيغرق حتماً في طوفانها تاركاً وراءه دروساً قاسية لكل من يظن أن القوة تُقاس بتدمير الآخرين لا ببناء الذات.
وباختصار تُثبت الوقائع أن "الحوثي ورقة إيران الخاسرة في الجزيرة العربية والخليج" لم تعد مجرد عنوان يُطرح بل هي حقيقة ميدانية تُقرأ على كل الجبهات فبدلاً من أن تُخنق هذه الورقة المزعومة أنفاس الخليج انقلبت لتخنق الاقتصاد الإيراني وتستنزف مقدراته لقد حان الوقت لتدرك طهران أن الرهان على الفوضى في خاصرة الجزيرة العربية قد انتهى وأن هذه الورقة المحروقة لن تجلب لها سوى المزيد من العزل والاندثار بينما ستبقى منطقة الجزيرة العربية والخليج عصية على الابتزاز شامخة بوعيها وقوتها.