الحديدة وإب مفتاح سقوط مليشيا الحوثي
في خرائط الصراع اليمني المعقدة لا تُرسم الحدود بخطوط جغرافية قوية بل بشرايين حيوية تنبض بالحياة أو تموت بالموت وتقف محافظتا الحديدة وإب كعمودين فقريين يدعمان هيكل الميليشيا الحوثية، طبوغرافياً تتحول المدن والمناطق إلى نقاط ضغط استراتيجية تحدد مصير الحرب ومستقبل المنطقة بأكملها وإن فهم طبيعة هذا الكيان المسلح لا يكتمل إلا بإدراك أن قوته ليست نابعة من عقيدة راسخة أو شعبية حقيقية بل من سيطرته الخانقة على شريانين أساسيين: الشريان الاقتصادي والعسكري المتمثل في ميناء الحديدة، والشريان المالي والبشري المتمثل في محافظة إب، وهذان المحوران يشكلان معاً المفتاح الحقيقي لفك شفرة انهيار المشروع الحوثي وإسقاطه لأن قطع أحدهما يعني نزيفاً حاداً وقطع كلاهما يعني الموت السريري للميليشيا.
حيث تُعد محافظة الحديدة الرئة التي تتنفس منها مليشيا الحوثي حياة اقتصادية وعسكرية فهي ليست مجرد ميناء لاستيراد السلع الغذائية والدوائية بل هي القناة السرية التي تتدفق عبرها المكونات الصاروخية والطائرات المسيرة والعتاد العسكري الذي يحول اليمن إلى منصة لإطلاق التهديدات الإقليمية والدولية، والسيطرة على هذا المنفذ الحيوي تعني التحكم في عصب الحياة الاقتصادية للمليشيا، بحيث تتيح لها الجبايات غير الشرعية والتهريب المنظم لتمويل آلة حربها، كما تسمح بدخول المواد الخام اللازمة لتصنيع الأسلحة محلياً تحت غطاء المساعدات الإنسانية والتجارة.. لذلك فإن أي استراتيجية تهدف إلى إنهاء نفوذ الحوثي يجب أن تبدأ بحصار هذا الشريان ليس بمعناه الإنساني المؤذي للسكان بل بالمعنى العسكري السريع والخاطف والأمني الاستخباراتي الدقيق الذي يمنع المليشيا من استخدام المدنيين كدروع مما يكسر يد الحوثي ويجفف الينابيع المادية التي تروي جذور العنف وتمكنهم من الاستمرار في مواجهة المجتمع الدولي والقوى الوطنية.
أما محافظة إب فتشكل الوجه الآخر للدعم، وهي ربما الأكثر خطورة واستدامة للمليشيا، إذ تمثل الخزان البشري والمالي الأهم في ترسانتهم حيث تقع هذه المحافظة في قلب المرتفعات الوسطى وتتميز بكثافة سكانية عالية ومجتمع طيب يمكن استغلاله بسهولة عبر الخطاب الطائفي المتشدد. هنا لا يقتصر دور إب على توفير الغطاء المالي من خلال الزكاة المفروضة قسراً والغنائم المصادرة من المغتربين والتجار والعقارات بل يتعداه ليصبح مصنعاً بشرياً ضخماً ينتج آلاف الجنود الصغار يومياً، لأن الأطفال والمراهقين في إب هم الوقود الذي يُحرق في محركات الحرب الحوثية، حيث يتم تجنيدهم من المدارس والمساجد والمراكز الصيفية وتخضع أذهانهم النقية لغسيل دماغي منهجي يحولهم من أبرياء إلى أدوات قتل فعالة ومؤمنة بفكرة الموت والشهادة الزائفة.
هذا المخزون البشري الهائل يمنح مليشيا الحوثي ميزة الاستنزاف فهي قادر على تعويض خسائرها البشرية بسرعة مستفيدة من الفقر المدقع والجهل المتفشي لدفع الأسر نحو تسليم أبنائها مقابل إعانات مالية ضئيلة مما يخلق حلقة مفرغة من الدمار الاجتماعي والاقتصادي؛ إن الربط بين هذين المحورين يكشف حقيقة أن الحوثي يعيش على هامش الاقتصاد العالمي عبر الحديدة، وعلى هامش المجتمع المحلي عبر محافظة إب وهو ما يجعل استهدافهما بشكل متزامن ومتناسق هو الضربة القاضية التي ستسقطه لا محالة فعندما يُقطع تدفق السلاح والمال من الحديدة ويتوقف إمداد الجنود من إب ستجد الميليشيا نفسها محاصرة في زاوية ضيقة عاجزة عن الدفع بالصفوف الأمامية وعاجزة عن دفع رواتب قادتها وتمويل عملياتها اللوجستية.
هذا السيناريو يتطلب ذكاءً استراتيجياً عالياً وسرعة كسرعة البرق، لأن القصف العشوائي أو الحصار الشامل قد يدفع السكان نحو التعاطف مع الميليشيا بل يجب العمل على عزل هاتين المحافظتين عن الحوثي بشكل سريع؛ إذا نجحت القوى الوطنية المناهضة للمشروع الدموي الحوثي في قطع هذين الشريانين فإن الهيكل الهش للجماعة سينهار من الداخل لأن الاعتماد الكلي على الخارج في السلاح وعلى الداخل في البشر يجعلها عرضة للانهيار السريع بمجرد جفاف المصادر.
يجب أن يدرك الجميع إن نهاية مليشيا الحوثي ليست حلماً بعيداً ولا مستحيلاً بل هي نتيجة منطقية لاستراتيجية صحيحة تستهدف نقاط ضعفه القاتلة (الحديدة وإب) هما مفتاح هذه النهاية فمن خلالهما يحارب الحوثي وينشر الموت في جميع ربوع اليمن والجزيرة العربية وبهذا تكون القوى الوطنية قامت بتحرير الحديدة من قبضة التهريب العسكري وتحرير إب من قبضة التجنيد الإجباري للأطفال والسطو العقاري يمثلان الانتصار الحقيقي للإنسانية والمستقبل.. من دون هذين الإنجازين ستظل الحرب دائرة في فراغ. أعدكم عند القيام بذلك سنشهد بداية النهاية لمشروع قام على أنقاض الطفولة واقتصاد الظل وسنعود لبناء يمن يسوده السلام حيث تكون المدارس حصوناً للعلم وليس للتجنيد والموانئ أبواباً للتجارة والحياة وليس للموت والدمار، هذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ الجيل القادم ولإعادة الكرامة لشعب طال انتظاره للخلاص من كابوس استباح طفولته واقتصاده وسيادته.