فجوة الـ12 رقماً والتبعية التقنية.. أبعاد أزمة رفض شركات الاتصالات للبطاقة الشخصية الذكية في المناطق المحررة
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ ساعتين
في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة اليمنية إلى تحديث منظومة الهوية الشخصية واعتماد البطاقة الذكية كوثيقة رسمية حديثة تسهم في تسهيل المعاملات والحد من التزوير، يواجه المواطنون في مدينة تعز وغيرها من المحافظات المحررة عقبات متزايدة بسبب رفض بعض شركات الاتصالات التعامل بهذه البطاقة عند استخراج شرائح الاتصال أو تنفيذ بعض الخدمات المرتبطة بالاتصالات.
يقول مواطنون لـ"الساحل الغربي"، إنهم فوجئوا بعدم قبول البطاقة الشخصية الإلكترونية الحديثة لدى مراكز تابعة لشركتي سبأفون ويمن موبايل، رغم حصولهم عليها من الجهات الرسمية المختصة، الأمر الذي تسبب بحرمانهم من الحصول على شرائح اتصال جديدة أو استبدال الشرائح التالفة، إلى جانب تعطيل عدد من المعاملات اليومية المرتبطة بأرقام الهواتف.
هذا الرفض أثار حالة استياء واسعة بين السكان، خصوصًا مع تزايد الاعتماد على خدمات الاتصالات في مختلف تفاصيل الحياة اليومية، سواء في المعاملات المالية أو التعليمية أو التجارية، فضلًا عن ارتباطها بالخدمات الحكومية والتحويلات البنكية والتواصل الإنساني.
معاناة يومية
يقول أحمد صادق، أحد سكان مدينة تعز لـ"الساحل الغربي"، إنه توجه إلى أحد مراكز خدمة الاتصالات لاستخراج شريحة جديدة بعد فقدان هاتفه، لكنه فوجئ برفض البطاقة الذكية التي يحملها، بحجة أن النظام لا يقبلها.
ويضيف أن الموظفين طلبوا منه إحضار البطاقة القديمة، رغم أن البطاقة الذكية تحمل كافة البيانات الرسمية وصادرة عن الجهات الحكومية المعتمدة. ويوضح أن الأمر لم يكن مجرد تأخير عابر، بل تسبب في تعطيل أعماله والتزاماته، خاصة أن رقم الهاتف مرتبط بحساباته البنكية وبعض تطبيقات التحويل المالي.
من جهته، يتحدث المواطن عبدالسلام عبدالله، إن المشكلة تتكرر مع كثير من المواطنين، خصوصًا الشباب الذين استخرجوا البطاقة الجديدة مؤخرًا، مؤكدًا أن عددًا من مراكز الاتصالات ترفض التعامل معها بشكل كامل.
ويشير إلى أن المواطنين يشعرون بحالة من التناقض، إذ تُلزمهم الحكومة اليمنية بالحصول على البطاقة الإلكترونية باعتبارها وثيقة رسمية حديثة، ثم يجدون أنفسهم عاجزين عن استخدامها في أبسط المعاملات اليومية.
توجيهات حكومية
في مايو من العام2024، أصدرت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا توجيهات باعتماد البطاقة الذكية في المعاملات المتعلقة بشركات الاتصالات، باعتبارها وثيقة رسمية معترفًا بها.
لكن، وبحسب مواطنين، لا تزال بعض شركات الاتصالات تتمسك بأنظمة قديمة وإجراءات تقليدية لا تتوافق مع التحديثات الحكومية، ما جعل التوجيهات الرسمية غير مفعلة فعليًا على أرض الواقع.
ويرى مراقبون أن استمرار رفض البطاقة الذكية يعكس وجود فجوة واضحة بين القرارات الحكومية والتنفيذ العملي لدى بعض المؤسسات والشركات، خاصة في القطاعات المرتبطة بالبنية التقنية والأنظمة الإدارية.
ويؤكد مختصون في قطاع الاتصالات أن بعض الشركات ما تزال تعتمد قواعد بيانات وأنظمة تشغيل قديمة جرى تصميمها في ظل ظروف مختلفة، ولم يتم تحديثها لتواكب التحول الرقمي الذي تحاول الحكومة تنفيذه في المناطق المحررة.
ارتباط تقني وإداري
يشير مختصون إلى أن جانبًا من المشكلة يعود إلى استمرار ارتباط بعض شركات الاتصالات بأنظمة تشغيل وإجراءات مركزية موجودة في العاصمة المختطفة صنعاء، الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية، وهو ما ينعكس على طبيعة الخدمات وآليات التعامل مع الوثائق الرسمية.
ويقول خبراء إن عددًا من الأنظمة المستخدمة لدى شركات الاتصالات لم يتم تحديثها بما يتناسب مع البطاقة الذكية الجديدة، الأمر الذي يجعل الموظفين يعتمدون على النماذج القديمة في تسجيل بيانات المشتركين.
ويرى هؤلاء أن استمرار هذا الوضع يكشف حجم التعقيدات التي تواجهها الحكومة في ملف الاتصالات، خصوصًا مع استمرار الانقسام الإداري والتقني بين المناطق المحررة ومناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدين أن هذا الخلل لا يقتصر على مسألة استخراج الشرائح فحسب، بل يمتد إلى قضايا أوسع تتعلق بقدرة الحكومة على فرض قراراتها التنظيمية داخل القطاعات الحيوية.
تحديث الهوية
وخلال السنوات الأخيرة، بدأت الحكومة اليمنية، مشروع إصدار البطاقة الشخصية الذكية، ضمن مسار يهدف إلى تحديث بيانات المواطنين والحد من التلاعب والتزوير في الوثائق الرسمية، وتتميز البطاقة الذكية باحتوائها على بيانات إلكترونية وتقنيات حديثة تساعد في التحقق من الهوية، إضافة إلى تسهيل الربط الإلكتروني بين المؤسسات الحكومية المختلفة.
ويرى مختصون أن المشروع يمثل خطوة مهمة نحو التحول الرقمي وتطوير الخدمات العامة، خاصة في ظل التحديات الأمنية والإدارية التي تواجهها البلاد، مشددين في الوقت نفسه على أن نجاح أي مشروع تحديث مرتبط بمدى التزام المؤسسات الحكومية والخاصة باعتماد الوثائق الجديدة والتعامل معها بشكل فعلي.
ويحذر كثيرون من أن استمرار رفض البطاقة الذكية يهدد بإضعاف الثقة بالمشروع نفسه، ويدفع المواطنين إلى التشكيك بجدوى استخراج البطاقة إذا كانت غير معترف بها في عدد من المعاملات الأساسية.
تأثيرات مباشرة
لا تتوقف آثار المشكلة عند حدود تعطيل استخراج الشرائح، بل تمتد إلى تفاصيل حياتية واسعة، خصوصًا مع ارتباط أرقام الهواتف اليوم بخدمات متعددة، بينها التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية وخدمات الحوالات.
يقول صلاح محمد، إن فقدان القدرة على استخراج شريحة جديدة يعني عمليًا فقدان الوصول إلى حسابات مالية وخدمات إلكترونية مهمة، الأمر الذي قد يتسبب بخسائر مادية أو تعقيدات كبيرة.
ويستطرد في حديثه لـ"الساحل الغربي"، أن بعض الطلاب والموظفين يواجهون مشكلات إضافية بسبب ارتباط أرقام هواتفهم بمنصات تعليمية أو تطبيقات عمل، ما يجعل استمرار تعطل الخدمة مصدر قلق حقيقي.
ويوجه ناشطون انتقادات للجهات الحكومية المعنية بسبب ضعف الرقابة على شركات الاتصالات وعدم إلزامها بتنفيذ القرارات الرسمية الصادرة عن الحكومة، مشيرين إلى أن استمرار تجاهل التعليمات الحكومية من قبل بعض الشركات يطرح تساؤلات حول قدرة الجهات الرسمية على إدارة القطاعات الحيوية وفرض الأنظمة الجديدة.
ويشددون على أن قطاع الاتصالات يُعد من أهم القطاعات المرتبطة بحياة المواطنين اليومية، وبالتالي فإن أي خلل فيه ينعكس بصورة مباشرة على مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدين أن الحكومة مطالبة باتخاذ خطوات أكثر جدية لمعالجة المشكلة، سواء من خلال تحديث الأنظمة التقنية أو فرض إجراءات رقابية تلزم الشركات بالتعامل مع البطاقة الذكية.
جذور المشكلة
يوضح المهندس توهيب عبدالرقيب أن جذور المشكلة تعود إلى استمرار شركتي سبأفون ويمن موبايل في العمل بالنظام القديم المفروض من قبل مليشيا الحوثي، والذي يعتمد البطاقة الشخصية القديمة كأساس لإتمام معاملات المشتركين، مشيرًا إلى أن هذه الأنظمة لم تُحدَّث بما يتوافق مع التغييرات التي طرأت على مشروع الهوية الوطنية الذكية في المناطق المحررة.
ويضيف لـ"الساحل الغربي"، أن البطاقة الذكية الجديدة تختلف تقنيًا عن البطاقة القديمة، إذ تحمل رقمًا وطنيًا مكوّنًا من 12 رقمًا، بينما تعتمد الأنظمة القديمة لدى شركات الاتصالات على البطاقة السابقة التي تحمل 11 رقمًا، الأمر الذي يتسبب في رفض البيانات وعدم قبول البطاقة داخل أنظمة التسجيل المعتمدة لدى الشركات، وهو ما أدى إلى عرقلة معاملات المواطنين وحرمانهم من الحصول على خدمات الاتصالات بصورة طبيعية.
ويشير المهندس إلى أن شركة يو، تُعد الشركة الوحيدة التي قامت بتحديث أنظمتها واعتماد الهوية البيومترية والبطاقة الذكية في إجراءاتها، ما مكّن المواطنين من استخدام البطاقة الحديثة دون عراقيل، بخلاف بقية الشركات التي ما تزال تعمل بأنظمة تقليدية لم تُواكب التحديثات الحكومية والتقنية المتعلقة بمشروع الهوية الإلكترونية.
دعوات للمعالجة
يطالب مواطنون السلطات الحكومية بسرعة التدخل لمعالجة المشكلة، وإلزام شركات الاتصالات باعتماد البطاقة الذكية بشكل رسمي وفعلي في جميع المعاملات المتعلقة باستخراج شرائح الاتصال والخدمات المرتبطة بها، مؤكدين أن استمرار الرفض يفاقم معاناة السكان ويعطل مصالحهم اليومية.
كما دعا ناشطون ومختصون في قطاع الاتصالات إلى إطلاق حملات رقابية للتأكد من التزام شركات الاتصالات بالتوجيهات الحكومية الصادرة بشأن اعتماد البطاقة الذكية، إلى جانب تحديث الأنظمة التقنية وربطها بالبيانات الجديدة الخاصة بالهوية الوطنية الإلكترونية.
ويرى مراقبون أن معالجة المشكلة لا تتطلب فقط قرارات إدارية، بل تستوجب تحديثًا شاملاً للبنية التقنية في قطاع الاتصالات، بما يضمن مواءمة الأنظمة الحالية مع مشروع التحول الرقمي الذي تتجه إليه الحكومة في المناطق المحررة.