هاجس التجديد السنوي.. كيف تحولت عقود الإيجار في مدينة تعز إلى أزمة تؤرق الأسر؟
- تعز، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
- منذ 8 ساعات
لم يعد الحصول على مسكن آمن ومستقر في مدينة تعز المحاصرة يقتصر على القدرة على دفع قيمة الإيجار الشهري، بل بات مرتبطًا أيضًا بقدرة المستأجر على مواجهة سلسلة من الشروط والالتزامات التي تتجدد مع نهاية كل عقد إيجار.
فمع حلول موعد التجديد السنوي، تجد آلاف الأسر نفسها أمام واقع جديد يفرضه بعض ملاك العقارات يتمثل في رفع قيمة الإيجار وفرض شروط إضافية، وسط غياب ضوابط واضحة تنظم العلاقة بين المؤجر والمستأجر وتحفظ التوازن بين حقوق الطرفين.
وفي ظل التدهور الاقتصادي المستمر وارتفاع تكاليف المعيشة، تحولت مسألة تجديد عقود الإيجار إلى هاجس يؤرق الكثير من الأسر التي تخشى فقدان مساكنها أو اضطرارها للقبول بشروط تراها مجحفة تفاديًا للدخول في نزاعات قانونية أو البحث عن سكن بديل في سوق تشهد بدورها ارتفاعًا متواصلًا في الأسعار.
التجديد السنوي.. بداية أزمة جديدة
في كثير من الدول والبلدان يُنظر إلى تجديد عقود الإيجار باعتباره إجراءً روتينيًا يهدف إلى استمرار العلاقة التعاقدية بين المؤجر والمستأجر، إلا أن الصورة تبدو مختلفة في مدينة تعز، حيث يصف مستأجرون هذه المرحلة بأنها الأكثر توترًا وقلقًا.
يقول عدد من السكان لـ"الساحل الغربي"، إنهم يعيشون حالة ترقب مع اقتراب انتهاء مدة العقد، إذ لا يعلمون ما إذا كان المالك سيوافق على التجديد بالشروط السابقة أم سيطالب بزيادة جديدة في قيمة الإيجار، أو يفرض شروطًا إضافية لم تكن موجودة في العقد السابق.
وبحسب مستأجرين، فإن الزيادة السنوية أصبحت في بعض الحالات أمرًا شبه ثابت، بغض النظر عن مستوى الخدمات أو حالة العقار أو الظروف الاقتصادية التي تمر بها الأسر؛ مؤكدين أن المالك يستند غالبًا إلى مبررات تتعلق بزيادة الطلب على السكن، في حين يجد المستأجر نفسه عاجزًا عن الاعتراض خشية فقدان المسكن.
وتزداد حدة المشكلة بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود، والتي تعتمد على رواتب ثابتة أو أعمال غير مستقرة، ما يجعل أي زيادة جديدة عبئًا إضافيًا يضاف إلى قائمة طويلة من الالتزامات المعيشية.
أزمة تتفاقم
تأتي هذه الإشكالية في وقت تواجه فيه الأسر داخل مدينة تعز المحاصرة، ظروفًا اقتصادية صعبة نتيجة استمرار الحرب وتراجع مصادر الدخل وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.
ويرى مختصون أن السكن يمثل أحد أكبر بنود الإنفاق بالنسبة للأسر في المدن الرئيسية، خصوصًا في تعز التي شهدت خلال السنوات الماضية زيادة في الطلب على المساكن نتيجة النزوح الداخلي وانتقال كثير من العائلات من المناطق المنكوبة بمليشيا الحوثي الإرهابية إلى الأحياء الأكثر أمنًا داخل المدينة.
ويشير هؤلاء إلى أن غياب الرقابة على سوق الإيجارات أوجد بيئة تسمح بتفاوت كبير في الأسعار، بحيث تختلف القيمة الإيجارية للعقار الواحد من منطقة إلى أخرى ومن مالك إلى آخر، دون وجود معايير واضحة يمكن الاستناد إليها.
ويؤكد ناشطون أن الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعيشها سكان مدينة تعز، جعلت من أي زيادة في قيمة الإيجار عبئًا إضافيًا ينعكس بشكل مباشر على مختلف جوانب الحياة اليومية، فمع تراجع مستويات الدخل وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية بصورة مستمرة، لم يعد السكن مجرد بند من بنود الإنفاق الأسري، بل أصبح يستحوذ على جزء كبير من الميزانية الشهرية للكثير من العائلات.
يتحدث المواطن محمد حسن أن الزيادات المتكررة في الإيجارات تدفع العديد من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية بشكل قسري، حيث تضطر إلى تقليص الإنفاق على احتياجات أساسية أخرى لتأمين قيمة الإيجار، بما في ذلك الغذاء، والرعاية الصحية، وتعليم الأبناء، فضلاً عن الاحتياجات اليومية المرتبطة بالمياه والكهرباء والمواصلات.
ويضيف الرجل لـ"الساحل الغربي": "في بعض الحالات، تلجأ الأسر إلى الاستدانة أو الاعتماد على المساعدات المالية من الأقارب لتغطية التزاماتها السكنية، الأمر الذي يفاقم من هشاشتها الاقتصادية ويزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية التي تواجهها".
ويحذر كثيرون من أن استمرار ارتفاع تكاليف السكن دون وجود ضوابط أو معالجات توازن بين حقوق الملاك وقدرة المستأجرين على الدفع، قد يؤدي إلى اتساع دائرة الفقر وتراجع مستوى المعيشة لدى شريحة واسعة من السكان، خصوصًا في مدينة تعز التي تضم أعدادًا كبيرة من الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، والتي باتت تنظر إلى موعد تجديد عقد الإيجار باعتباره تحديًا سنويًا يهدد استقرارها المعيشي والسكني.
عقود مجحفة
لا تتوقف شكاوى المستأجرين في مدينة تعز، عند حدود رفع القيمة الإيجارية فقط، بل تمتد إلى طبيعة العقود التي يتم توقيعها عند التجديد.. ويؤكد عدد من المستأجرين أن العقود الجديدة تتضمن بنودًا تمنح المؤجر صلاحيات واسعة مقارنة بما يتمتع به المستأجر من حقوق، الأمر الذي يجعل العلاقة التعاقدية غير متوازنة.
ويوضح المستأجر هشام قاسم: "من أبرز البنود التعسفية هو منح المالك حق طلب إخلاء العقار في ظروف معينة أو تضمين العقد شروطًا تتيح اتخاذ إجراءات قانونية سريعة ضد المستأجر في حال حدوث خلاف بين الطرفين". ويستطرد: "المستأجر لا يملك فرصة حقيقية للتفاوض حول هذه البنود، إذ يتم تقديم العقد بصيغته النهائية مع مطالبتهم بالتوقيع عليه أو مغادرة العقار عند انتهاء مدة العقد السابقة".
ويضيف آخرون، أن الحاجة الملحة إلى السكن تدفع الكثير من الأسر إلى القبول بهذه الشروط رغم عدم اقتناعها بها أو إدراكها لما قد يترتب عليها من التزامات قانونية ومالية مستقبلية، في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمام المستأجرين وصعوبة العثور على مساكن بديلة بأسعار مناسبة؛ فمع ارتفاع الطلب على الوحدات السكنية في عدد من أحياء مدينة تعز وتزايد تكاليف الانتقال من منزل إلى آخر، يجد كثير من المستأجرين أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما الموافقة على شروط يعتبرونها مجحفة والاستمرار في السكن، أو المغادرة والبحث عن منزل جديد قد يكون أكثر كلفة وأقل ملاءمة لاحتياجات أسرهم.
الإخلاء القسري
يمثل احتمال فقدان السكن أحد أكبر المخاوف التي تواجه المستأجرين في مدينة تعز؛ ففي ظل محدودية الخيارات المتاحة وارتفاع أسعار الإيجارات في العديد من الأحياء، يصبح الانتقال إلى منزل جديد عملية مكلفة ومعقدة، خصوصًا للأسر الكبيرة أو تلك التي لديها أطفال في المدارس.
ويؤكد مواطنون أن مجرد التلويح بعدم تجديد العقد أو طلب إخلاء العقار يكفي لدفع المستأجر إلى قبول شروط جديدة لم يكن ليوافق عليها في ظروف طبيعية، كما أن تكاليف الانتقال وما يرافقها من نفقات إضافية تجعل كثيرًا من الأسر تفضل الاستمرار في العقار نفسه حتى لو كان ذلك يعني تحمل أعباء مالية أكبر.
ويؤكد مستأجرون أن الخشية من فقدان المسكن لا ترتبط فقط بالجانب المالي، بل تمتد إلى اعتبارات اجتماعية وتعليمية ومعيشية أخرى، فانتقال الأسرة إلى منطقة جديدة قد يعني تغيير مدارس الأبناء، والابتعاد عن أماكن العمل، وفقدان شبكة العلاقات الاجتماعية التي تكونت على مدى سنوات، كما أن تكاليف النقل إلى المنزل الجديد تمثل عبئًا إضافيًا لا تستطيع كثير من الأسر تحمله في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.
ويشير قانونيون إلى أن هذا الواقع أوجد حالة من عدم التكافؤ في القوة التفاوضية بين المؤجر والمستأجر، حيث يضطر الأخير في كثير من الأحيان إلى التوقيع على العقود بصيغتها الجاهزة دون القدرة على مناقشة بنودها أو طلب تعديلها، خشية أن يؤدي الاعتراض إلى رفض التجديد أو المطالبة بإخلاء العقار؛ وبذلك تتحول الحاجة الأساسية إلى السكن إلى عامل ضغط يجعل العديد من الأسر تتنازل عن جزء من حقوقها مقابل الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار السكني وتجنب الدخول في دوامة البحث عن مأوى جديد.
الجوانب القانونية
يرى قانونيون أن العلاقة بين المؤجر والمستأجر ينبغي أن تقوم على مبدأ التوازن بين الحقوق والواجبات، بحيث لا يطغى حق أحد الطرفين على الآخر، مشيرين إلى أن العقود المبرمة بين الطرفين يجب أن تراعي القواعد العامة للعدالة التعاقدية، وأن أي شرط يؤدي إلى الإضرار الفادح بأحد الأطراف قد يثير إشكالات قانونية عند عرضه على القضاء.
كما يؤكدون أن القضاء يظل الجهة المختصة بالفصل في النزاعات الناشئة بين المؤجر والمستأجر، وأن أي إجراءات تتعلق بالإخلاء أو إنهاء العلاقة التعاقدية ينبغي أن تتم وفق الأطر القانونية المعمول بها.
وبحسب كثيرين، فإن الكثير من المشكلات الحالية ترتبط بضعف الوعي القانوني لدى المواطنين، سواء من جانب المستأجرين أو بعض المؤجرين، الأمر الذي يؤدي إلى توقيع عقود لا يدرك أحد الطرفين أو كلاهما الآثار القانونية المترتبة عليها.
غياب الضوابط
يعتقد مختصون أن السبب الرئيسي لتفاقم النزاعات الإيجارية يتمثل في غياب آليات واضحة لتنظيم سوق الإيجارات وتحديد المرجعيات التي يمكن اللجوء إليها عند حدوث الخلافات؛ ففي الوقت الذي تعتمد فيه بعض الدول أنظمة تحدد أسس مراجعة القيمة الإيجارية أو تضع ضوابط لزيادتها، يظل الأمر في تعز خاضعًا إلى حد كبير للتفاهمات الفردية بين المالك والمستأجر.
ويؤكد مراقبون أن ترك السوق دون تنظيم كافٍ يؤدي إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب، ويفتح المجال أمام ممارسات قد يعتبرها البعض استغلالية، خصوصًا في أوقات الأزمات الاقتصادية، مشيرين إلى أن غياب قواعد واضحة يساهم في زيادة عدد النزاعات التي تصل إلى المحاكم أو تظل عالقة دون حلول، ما ينعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي.
في المقابل، يدعو كثيرون إلى وضع آليات أكثر وضوحًا لتنظيم العلاقة الإيجارية بما يحقق التوازن بين مصالح المؤجرين وحقوق المستأجرين، وتشمل تعزيز الوعي القانوني، وتشجيع صياغة عقود أكثر توازنًا، وإنشاء آليات للوساطة وحل النزاعات قبل وصولها إلى المحاكم، إضافة إلى وضع معايير واضحة تحكم أي زيادات في القيمة الإيجارية.
ويشدد مختصون على أهمية مراعاة الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها البلاد، بما يضمن عدم تحميل الأسر أعباء إضافية تفوق قدرتها على التحمل، وفي الوقت ذاته يحفظ حق الملاك في الاستفادة المشروعة من ممتلكاتهم، مشيرين إلى أن تحقيق التوازن بين الطرفين يمثل المدخل الأساسي لبناء سوق إيجارية مستقرة وعادلة، تقل فيها النزاعات وتزداد فيها الثقة بين المؤجرين والمستأجرين.