التعليم تحت الوصاية.. الزينبيات بديلات لمديرات المدارس في صنعاء

  • صنعاء، الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعة

في العاصمة المختطفة صنعاء، تشهد بعض المدارس الحكومية تغييرات متسارعة في قياداتها الإدارية، تشمل إقالة عدد من مديرات المدارس المتمرسات واستبدالهن بمشرفات يُعرفن بولائهن لمليشيا الحوثي الإرهابية، في خطوة عدها تربويون تدخلًا سياسيًا مباشرًا في شؤون التعليم.

وغالبًا ما يصاحب هذه التعيينات تدخل عناصر نسائية تُعرف محليًا بـ "الزينبيات"، بهدف مراقبة العملية التعليمية وضمان تنفيذ سياسات الجماعة داخل المدارس، وهو ما أثار مخاوف واسعة حول استقلالية التعليم وحقوق العاملين، وضمان بيئة تربوية آمنة للطلاب.

تأتي هذه التغييرات ضمن سياسة حوثية ممنهجة تهدف من للسيطرة على المؤسسات التعليمية، حيث أصبحت المدارس جزءًا من استراتيجية توجيه الأجيال الجديدة نحو أيديولوجيا الجماعة، بما يؤثر على سلوك الطلاب، ومستوى الحرية الأكاديمية للمعلمين والإداريين.

يقول تربويون إن هذه السياسة تقوض أطر الإدارة التربوية التقليدية، وتضع القيادات الجديدة في مواجهة مباشرة مع المجتمع المدرسي، ما أدى إلى توترات متكررة داخل بعض المدارس، وساهم في خلق بيئة تعليمية مشحونة بالسياسة أكثر من العلم.

إلى ذلك، يعاني قطاع التعليم في المناطق المنكوبة بمليشيا الحوثي من أزمات متراكمة، تشمل عدم صرف الرواتب، ونقص الكوادر المؤهلة، وانقطاع الخدمات التعليمية الأساسية.. هذه الظروف تجعل التغييرات الإدارية أكثر تأثيرًا، إذ غالبًا ما يُنظر إليها على أنها وسيلة لترسيخ الولاء السياسي على حساب الكفاءة المهنية، بدلًا من كونها خطوة تهدف لتحسين العملية التعليمية أو تطوير المدارس.

يستعرض "الساحل الغربي"، عبر هذا التقرير خلفيات هذه التغييرات، الأهداف المعلنة والخفية للجماعة، تجارب واقعية من داخل المدارس، ردود الفعل المجتمعية، والتأثيرات المحتملة على العملية التعليمية في صنعاء؛ ويقدم قراءة حول أبعاد هذه الأزمة التربوية، وتأثيرها على مستقبل الأجيال الصاعدة في المناطق المحتلة.


أدلجة التعليم

منذ انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة والسيطرة على صنعاء، شهدت المؤسسات الحكومية تغييرات كبيرة، وكان قطاع التعليم من أكثر القطاعات تضررًا؛ فالمدارس تعد أداة استراتيجية لتشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي للأجيال الصاعدة، لذلك حرصت الجماعة على فرض سيطرتها بشكل مباشر على إدارة المدارس والمناهج الدراسية.

وبحسب تقارير، شملت هذه السيطرة تغييرات في المناهج الدراسية، برامج التعليم الديني والاجتماعي، وطرق التدريس، بالإضافة إلى تعيين قيادات بهدف ترسيخ الأيديولوجيا السياسية للجماعة داخل الصفوف الدراسية.

وتضمنت التغييرات في المناهج أيضًا إدراج شعارات الجماعة في الكتب واللوحات المدرسية، وحذف وتعديل دروس المواطنة، وإعادة صياغة محتوى التربية الدينية والدراسات الاجتماعية، كما تم تشديد الرقابة على نشاط المعلمين والطلاب، لضمان عدم وجود أي ممارسات تعليمية أو نشاطات طلابية يمكن أن تتعارض مع رؤية الجماعة.

ولتنفيذ هذه السياسات بشكل فعال، ركزت المليشيا خلال الفترة الأخيرة على السيطرة على الإدارة المدرسية نفسها، إذ تم استبعاد مديرات ومديري مدارس ذوي الخبرة والذين يُنظر إليهم على أنهم مستقلون عن الجماعة، واستبدالهم بقيادات جديدة يُنظر إليها على أنها أكثر ولاءً، وهو ما أحدث تغييرات جوهرية في بنية اتخاذ القرار داخل المدارس وأثر على ثقافة العمل التربوي.


الزينبيات
تمكين الموالين

تتكون كتائب الزينبيات من مجموعات نسائية مسلحة تابعة للمليشيا، لعبت وتلعب أدوارًا متعددة في الحياة العامة والخاصة داخل المناطق المنكوبة، ففي قطاع التعليم، ظهر دورهم بشكل بارز في مراقبة المدارس وملاحقة أي نشاط يُعد معارضًا لسياسات الجماعة، سواء من الطلاب أو المعلمين أو حتى أولياء الأمور.

وقد تم توظيف الزينبيات لمتابعة تطبيق القواعد والتعليمات الأمنية والاجتماعية داخل المدارس، بما في ذلك الزي المدرسي، حضور الطالبات، السلوك داخل الصفوف، ومنع أي احتجاجات أو أنشطة تعتبرها المليشيا مخالفة للتوجه السياسي، كما تدخلن في حالات النزاع المدرسي لتطبيق ما يسمى بـ "الانضباط"، إلا أن هذه التدخلات غالبًا ما تكون قمعية وتفرض نوعًا من الرهبة داخل البيئة التعليمية.

إضافة إلى ذلك، ساعد وجود الزينبيات على تعزيز سلطة المشرفات المواليات للجماعة، إذ أصبحت المدارس تعمل تحت مراقبة مزدوجة، من الإدارة التعليمية الرسمية الموالية للجماعة، والمجموعات الأمنية النسائية التي تضمن الالتزام بالقواعد الصارمة.. هذا التداخل أدى إلى تغيير جوهر العلاقة بين المعلمين والطلاب والإدارة المدرسية، وأثر بشكل مباشر على جودة التعليم والحرية الأكاديمية.


تسييس التعليم
تغييرات قسرية

تتحدث مصادر خاصة لـ "الساحل الغربي"، أن العديد من المدارس الحكومية في صنعاء، شهدت تغييرات كبيرة وجذرية في قياداتها النسائية، إذ تم إقالة عدد من مديرات المدارس المتمرسات واستبدالهن بمشرفات مواليات لمليشيا الحوثي الإرهابية.

وتؤكد أن مسؤوليات هؤلاء المشرفات تتجاوز نطاق الإشراف التربوي التقليدي، لتشمل تنفيذ السياسات الأيديولوجية للجماعة ومراقبة أي نشاط قد يُفسر على أنه معارضة أو رفض لتوجيهاتها داخل المدرسة.

وبحسب المصادر فإن المليشيا تزعم أن هذه التغييرات في قيادات المدارس تأتي ضمن سياسات مدفوعة بالحاجة إلى تطوير العملية التعليمية، وتهدف إلى تطبيق منهج تربوي موحّد يتماشى مع قيم ومبادئ الجماعة، وهو ما تقول الجماعة إنه سيعزز الانضباط التعليمي ويضمن توافق محتوى التعليم مع الأيديولوجيا السائدة.

غير أن مصادر تربوية تعتبر أن هذه المبررات غالبًا ما تكون ذرائع لتبرير استبعاد القيادات التعليمية القائمة واستبدالها بقيادات موالية للجماعة، مؤكدين أن هذا النهج أدى إلى تغييرات سريعة وغير مدروسة أثرت على سير العملية التعليمية بشكل مباشر، مع تراجع في مستوى الكفاءة الإدارية في بعض المدارس.


ردود الفعل 
رفض واسع

التغييرات التي شهدها القطاع التعليمي في صنعاء وغيرها من المناطق المنكوبة، أثارت رفضًا واسعًا بين المعلمين والتربويين، الذين اعتبروا أن هذه الخطوة تقوّض استقلالية العمل التربوي وتحوّله إلى أداة للنزاع السياسي بدلًا من كونه فضاءً للتعليم والتعلم؛ وعبّرت عدد من المدرسات عن استياء شديد من استبعاد قائدات مدارس خبيرات، واعتبرن أن القرار جاء لصالح قيادات جديدة تفتقر في كثير من الحالات للخبرة الإدارية الكافية، بينما يتم تحميلهن مسؤوليات تنفيذ سياسات طائفية وأيديولوجية، الأمر الذي زاد من توتر العلاقة بين الإدارة والمعلمين.

إضافة إلى ذلك، يأتي اعتراض المعلمين ضمن سياق أزمات متراكمة في قطاع التعليم، أبرزها انقطاع الرواتب لسنوات متتالية في المناطق المنكوبة بالمليشيا الإرهابية، ما دفع أعدادًا كبيرة من المعلمين المؤهلين إلى البحث عن فرص عمل بديلة أو النزوح إلى المناطق المحررة.. هذا النزوح خلق فجوة كبيرة في الكوادر التعليمية المؤهلة، استغلتها الجماعة لتعيين موظفين جدد تعتبرهم أكثر ولاءً، دون النظر إلى كفاءتهم التعليمية أو قدرتهم على إدارة المدارس بشكل مستقل.

ويشير بعض التربويين إلى أن هذه السياسات أضعفت المناخ التربوي العام داخل المدارس، وأدت إلى تراجع مستوى التحفيز الوظيفي لدى المعلمين والكوادر الإدارية، وزيادة شعورهم بالإحباط بسبب تدخل المليشيا المباشر في عملهم اليومي؛ كما لاحظت بعض المصادر أن تأثير هذه التغييرات امتد إلى الطلاب، إذ انعكس في أسلوب التدريس وجودة العملية التعليمية بشكل عام.


تغوّل المليشيا
هيمنة أيديولوجية

يرى مراقبون أن هذه السياسات غيرت ديناميات التعليم بشكل جذري في صنعاء والمناطق المنكوبة بالمليشيا؛ فالمدارس أصبحت مساحات مزدوجة الهدف، من ناحية تقدم المعرفة والمناهج الدراسية، ومن ناحية أخرى تخضع لمراقبة أيديولوجية وسيطرة الجماعة.. هذا الوضع أدى إلى توتر العلاقة بين المعلمين والطلاب والإدارة المدرسية، وضعف جودة التعليم، وانخفاض معدلات المشاركة الطلابية، والتأثير النفسي على الطلاب والمعلمات على حد سواء.

ويصف تربويون ما يحدث بأنه تجربة تعليمية مضطربة، قد تترك آثارًا طويلة المدى على الجيل الصاعد في العاصمة المختطفة صنعاء، سواء من ناحية تحصيلهم العلمي أو من ناحية تطورهم النفسي والاجتماعي في بيئة تعليمية متأثرة بالصراع السياسي.


انتهاك تربوي

وفقًا لمبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية، يُفترض أن تكون المؤسسات التعليمية بيئات مستقلة عن أي اعتبارات أمنية أو سياسية، وأن يتم اختيار القيادات المدرسية على أساس الكفاءة المهنية والخبرة التربوية، وليس الولاء الحزبي أو الأيديولوجي؛ إلا أن ما شهدته مدارس صنعاء من تغييرات مفاجئة في القيادات النسائية، واستبدال مديرات متمرسات بمشرفات مواليات للجماعة، يعد أمرًا غير شرعي من الناحية القانونية والأخلاقية.

وتعتبر هذه الخطوات انتهاكًا صريحًا لحرية العمل التربوي، إذ تم فرض قيادات جديدة دون أي شفافية أو آليات تقييم موضوعية، وفي ظل تهديد أو استخدام مباشر للقوة من قبل كتائب الزينبيات.. هذا الوضع يحرم المعلمين والإداريين من ممارسة دورهم بحرية، ويجعل من المدرسة فضاءً خاضعًا لمراقبة المليشيا بدلًا من أن يكون بيئة تعليمية حرة.


تأثيرات نفسية

إدخال عناصر الزينبيات في بيئة المدارس يخلق جوًا من الخوف والقلق النفسي لدى الطلاب، ويؤثر بشكل خاص على الفتيات اللواتي يشعرن بعدم الأمان داخل الفصول وبين زميلاتهن.. هذا التواجد الحوثي يحد من حرية الحركة، ويثبط النشاطات الطلابية، ويجعل الطالبات مترددات في التعبير عن آرائهن أو المشاركة في النقاشات الصفية، ما ينعكس سلبًا على تجربة التعلم ونوعية التعليم المقدم.

تقول "أ. ح"، طالبة في إحدى مدارس صنعاء، إن الضغط النفسي الناتج عن الرقابة المستمرة والخوف من العقاب أدى إلى انخفاض التركيز والتحصيل العلمي، وتراجع معدلات الحضور، وارتفاع احتمالات التسرب المدرسي، إضافة إلى أن الممارسات القمعية داخل المدارس أفرزت سلوكيات انطوائية أو مقاومة سلبية لدى الطلاب، وقد يمتد تأثيرها النفسي والاجتماعي ليشمل العلاقات بين الطلاب والمعلمين، وحتى الحياة الأسرية للطلاب.

وعليه، يرى مختصون أن استمرار هذا النمط من تدخلات مليشيا الحوثي داخل المدارس لن يقتصر أثره على جودة التعليم فقط، بل سيكون له تأثير طويل المدى على الجيل الصاعد، حيث يكتسب الطالبون سلوكيات التكيف مع الخوف والرقابة، بدلًا من تطوير مهارات التفكير النقدي والاستقلالية الأكاديمية.


حلول جذرية
استعادة الدولة

قضية تغيير مديرات المدارس في صنعاء واستبدالهن بمشرفات من الزينبيات، تتجاوز كونها مجرد حدث إداري، لتصبح مرآة لانعكاسات وتوجهات مليشيا الحوثي الإرهابية، فالتحولات تحمل أبعادًا سياسية وأمنية ونفسية، تنعكس مباشرة على الطلاب والمعلمين، وأولياء الأمور، ما يجعل المدارس مساحات تعليمية وأيديولوجية في الوقت نفسه.

وقد أثارت هذه السياسات احتجاجات واسعة من المجتمع التربوي، حيث عبّر معلمون وتربويون عن استيائهم من تقييد استقلالية العمل التربوي وفرض الولاء السياسي على حساب الخبرة والكفاءة، كما عمّت المخاوف بين أولياء الأمور الذين يرون أن تدخل الزينبيات والعناصر الموالية للمليشيا في إدارة المدارس ينتهك حق أبنائهم في بيئة تعليمية آمنة ومستقلة.

يؤكد كثيرون أن استعادة مؤسسات الدولة في العاصمة صنعاء والقضاء على المليشيا الإرهابية، تعد خطوة أساسية لإعادة بناء النظام التعليمي على أسس مهنية وقانونية، فوجود سلطة حكومية موحَّدة قادرة على إدارة المؤسسات التعليمية بعيدًا عن نفوذ الجماعات يُعد شرطًا مهمًا لضمان استقلالية المدارس وإعادة الاعتبار لمعايير الكفاءة في تعيين القيادات التربوية.

ويرى تربويون أن إنهاء سيطرة المليشيا على المؤسسات التعليمية واستعادة الجمهورية من شأنه أن يفتح المجال أمام إصلاحات حقيقية تشمل إعادة هيكلة الإدارات المدرسية، وإعادة الاعتبار لدور المعلمين، وإبعاد المدارس عن الصراعات السياسية والأيديولوجية التي أثرت على العملية التعليمية خلال السنوات الماضية.

ويشير هؤلاء إلى أن نجاح أي عملية إصلاح مرهون بوجود بيئة تعليمية آمنة ومستقرة تحمي حقوق الطلاب والمعلمين، وتعيد للمدرسة دورها الطبيعي كمؤسسة للمعرفة والتنمية، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الأمني. وفي ظل هذه الخطوات، يمكن أن يستعيد التعليم في صنعاء مكانته كركيزة أساسية لبناء مستقبل أكثر استقرارًا للمجتمع اليمني.

ذات صلة