بين التصعيد العسكري وطاولة الحوار.. كيف تصوغ إيران استراتيجيتها وفقاً لمنتدى الشرق الأوسط؟
- عبدالمالك محمد، الساحل الغربي:
- منذ 6 ساعات
كشفت تصريحات حديثة لكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف عن ملامح استراتيجية إيرانية تقوم على الجمع بين التصعيد العسكري والدبلوماسية السياسية، في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحل التوتر حساسية منذ أشهر، وسط مواجهة متصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
ووفقاً لتقرير حديث نشره منتدى الشرق الأوسط للكاتب والصحفي ماردو سوغوم، فإن طهران لا تنظر إلى المفاوضات باعتبارها بديلاً عن المواجهة، لكنها تعتبرها جزءاً من معادلة أوسع تستخدم فيها أدوات القوة العسكرية لتعزيز موقعها التفاوضي وتحسين شروط أي تسوية محتملة.
تصعيد متسارع في الميدان
بدأت موجة التصعيد الأخيرة في السابع من يونيو/حزيران، عندما أطلقت إيران صواريخ باليستية باتجاه شمال إسرائيل رداً على ضربات إسرائيلية استهدفت مواقع في لبنان.. وردت إسرائيل بشن هجمات على أهداف عسكرية داخل الأراضي الإيرانية.
ورغم تراجع حدة الاشتباكات المباشرة خلال اليوم التالي، فإن الأزمة سرعان ما عادت إلى الواجهة بعد حادثة تحطم مروحية أمريكية من طراز "أباتشي" بالقرب من مضيق هرمز في التاسع من يونيو/حزيران.. وبينما اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بالمسؤولية عن إسقاط المروحية، نفت طهران هذه الاتهامات بشكل قاطع.
وأعقب ذلك تنفيذ الولايات المتحدة غارات استهدفت مواقع للرادار والدفاعات الجوية الإيرانية على طول الساحل المطل على الخليج العربي.. وفي العاشر من يونيو/حزيران، ردت إيران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه البحرين والكويت والأردن، في تطور وصفه محللون بأنه أخطر مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران منذ بدء سريان وقف إطلاق النار.
قاليباف: الدبلوماسية وحدها لا تكفي
وفي خضم هذه التطورات، وجه قاليباف رسالة بتاريخ الثامن من يونيو/حزيران أكد فيها أن هدف المحادثات الجارية ليس تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، وإنما إنهاء الحرب وصياغة ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.
وفي تسجيل صوتي تداولته وسائل إعلام إيرانية، ربط قاليباف بشكل مباشر بين العمليات العسكرية والمسار الدبلوماسي، مشدداً على أن نجاح المفاوضات يتطلب فهماً دقيقاً لما يجري على الأرض.
وقال إن الدبلوماسية القائمة على الاجتماعات المغلقة والمجاملات السياسية لن تحقق نتائج حقيقية، كما أن العمل العسكري وحده لا يكفي لضمان ما وصفه بحقوق إيران، في إشارة واضحة إلى تبني استراتيجية مزدوجة تجمع بين الضغط الميداني والتفاوض السياسي.
القوة العسكرية كورقة تفاوض
ويشير التقرير إلى أن القيادة الإيرانية تنظر إلى الضربات الصاروخية والتحركات العسكرية الأخيرة باعتبارها أدوات لتعزيز النفوذ على طاولة المفاوضات، وليس باعتبارها خروجاً عن المسار الدبلوماسي.
وتعزز هذا الفهم قراءة وسائل إعلام مقربة من المؤسسة الأمنية الإيرانية، حيث وصفت وكالة "نور نيوز" التابعة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني القوة العسكرية بأنها "محرك لتوليد القوة"، بينما اعتبرت الدبلوماسية الوسيلة التي تسمح بتحويل المكاسب العسكرية إلى إنجازات سياسية وقانونية واقتصادية.
وبحسب هذا التصور، فإن الهدف النهائي لطهران لا يتمثل في الوصول إلى تسوية شاملة أو الانخراط في مواجهة مفتوحة، بل تحقيق ما وصفه التقرير بـ"النصر المُدبّر" أو "النصر المُهندَس"، عبر مزيج محسوب من الضغط العسكري والتفاوض الاستراتيجي.
ضغوط اقتصادية متزايدة
في المقابل، تواجه إيران تحديات اقتصادية متصاعدة نتيجة القيود المفروضة على صادراتها النفطية خلال الأشهر الأخيرة.. ورغم أن التوترات في مضيق هرمز ساهمت في رفع أسعار الطاقة عالمياً، فإن التأثير الاقتصادي على القوى الكبرى ظل محدوداً نسبياً، وفق ما أورده التقرير.
ويرى التقرير أن طهران تدرك بشكل متزايد أن الأضرار التي لحقت بها نتيجة الضغوط الاقتصادية والعقوبات قد تكون أكبر من تلك التي تمكنت من إلحاقها بخصومها حتى الآن، وهو ما انعكس في إشارات قاليباف إلى محاولات "إضعاف صمود الشعب" والتأثير على حسابات صناع القرار داخل البلاد.
رهان على اتفاق مؤقت
ويخلص التقرير إلى أن إيران تراهن على أن التصعيد العسكري المحدود والمدروس قد يدفع الولايات المتحدة إلى القبول بتفاهمات أو اتفاقات مؤقتة تخفف من الضغوط الاقتصادية والعسكرية المفروضة عليها، دون أن تضطر للتخلي عن ركائزها الاستراتيجية الأساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، وترسانة الصواريخ الباليستية، وشبكة نفوذها الإقليمية.
وبذلك، تبدو طهران وفق قراءة منتدى الشرق الأوسط، ماضية في استراتيجية تقوم على التفاوض تحت مظلة القوة، في محاولة لتحقيق مكاسب سياسية من دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات التي تعتبرها ركائز أمنها القومي ونفوذها الإقليمي.