ذاكرة 2011 الملغومة
ليس الخلاف حول 2011 في اليمن جديداً. الجديد فقط أن البلد ما زال يدفع الثمن.
سيبقى من يراها ثورة، ومن يراها بدايةً لانقسامٍ قاد البلاد إلى الهاوية. لكن السؤال لم يعد: ماذا كانت؟ بل: ماذا فعلنا بها؟ تركناها بلا حقيقة قضائية، فصار كل طرف يكتب روايته، ويحوّل الضحايا إلى مادة خلاف.
سقط متظاهرون في جمعة الكرامة. ثم جاءت مأساة تعز. ثم تفجير جامع النهدين في دار الرئاسة، مستهدفاً الرئيس السابق علي عبدالله صالح وكبار مسؤولي الدولة، بينهم رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي الحالي، وأصاب رئيس مجلس الشورى عبدالعزيز عبدالغني الذي توفي لاحقاً متأثراً بجراحه.
الوقائع مختلفة. لكن النتيجة واحدة: لا حقيقة مكتملة، ولا عدالة ناجزة. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المشكلة في الحدث، بل في ما جرى بعده.
عندما انتقلت السلطة في 2012، انتقلت العناوين وبقيت الجراح. أُغلقت صفحة، وبقيت ملفات العدالة والحقيقة مفتوحة.
ومن هنا بدأ سوق الروايات. كل طرف أخذ من الذاكرة ما يخدمه، وترك ما يحرجه. هكذا ضاعت الحقيقة بين المنبر والبيان، وبين السياسة والسلاح.
ثم دخل الحوثي.
دخل من فراغ الدولة، ثم وسّع الفراغ حتى صار هو الدولة في صنعاء. ومن ظن أن التحالف معه يضبطه، اكتشف متأخراً أن الجماعة لا تعرف الشراكة. انتهى الأمر بصدام صنعاء ومقتل علي عبدالله صالح في ديسمبر 2017.
بعد ذلك لم يعد الحوثي ينازع خصماً واحداً. ابتلع الجميع. وعندها فقط اتضح أن تشظي 2011 لم يكن خلافاً سياسياً عابراً، بل ثغرة دخل منها مشروع لا يعترف بالدولة.
أما ملف النهدين، فلم يُغلق قضائياً، بل دخل لاحقاً في مسار التبادل، فأُفرج عن بعض المتهمين في 2019 ضمن صفقة بين الحوثيين والحكومة الشرعية. وهكذا انتقلت القضية من مسار العدالة إلى مسار الحوار، وضاعت الحقيقة بين ما يجب أن يُحاكم وما يُترك للتفاوض.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى ذاكرة منقوصة. يحتاج إلى صف واحد، ودولة تُستعاد، وانقلاب يُكسر. وبعدها فقط يكون لكل ملف وقته، ولكل ضحية حقها، ولكل خلاف مكانه.
فلا عدالة بلا دولة. ولا مصالحة فوق ركام الانقلاب. الدولة أولاً.