مضيق الاختبار
باب المندب ممر عالمي، تعبره سنوياً عشرات الآلاف من السفن، وتمر عبره وعبر البحر الأحمر نسبة معتبرة من التجارة الدولية تقدَّر بنحو عُشر حركة التجارة العالمية. وحين يُهدَّد هذا الممر لا يكون المتضرر الأول الرياض، بل مصر التي تعتمد على عبور السفن إلى قناة السويس، وجيبوتي والسودان والصومال التي تعيش على مواردها، وأسواق الطاقة من آسيا إلى أوروبا.
هذه الحقيقة الجغرافية والاقتصادية دفعت السعودية إلى خطوة لافتة: بناء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، لا رد عسكري أحادي. اجتماع الرياض اليوم حضرته 43 دولة من أصل 51 دُعيت، ووقَّعت 14 دولة بياناً واضح الدعم. والأهم من عددها تركيبتها: عشر دول عربية، وأربع دول إسلامية غير عربية، وسبع من الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، من السعودية ومصر إلى اليمن والسودان وجيبوتي والصومال والأردن، وكلها من دول منظمة التعاون الإسلامي.
هذه التفصيلة وحدها تكفي لتفكيك رواية الحوثي. فالجماعة تقدِّم حصارها البحري دفاعاً عن «حق يمني» في مواجهة «عدو سعودي». لكن الدولة اليمنية، بمؤسساتها المعترف بها دولياً، تقف في الجهة المقابلة تماماً. فإذا كانت صنعاء تتحدث باسم اليمن، فمن الذي وقَّع في الرياض؟ وإذا كانت الحكومة الشرعية هي الموقِّعة، فمن يملك حق الحديث باسم «الشعب اليمني» الذي يستحضره الحوثي في كل خطاب؟
الأخطر من هذا الانقسام في التمثيل هو ما يكشفه خطاب الحوثي نفسه. فحين يهدد عبدالملك الحوثي بتصعيد الحصار البحري ربطاً بأي «عدوان» على منشآت في إيران، فهو يقول بوضوح: مفتاح باب المندب ليس بيد اليمنيين، بل بيد طهران. ممر مائي عالمي يتحول إلى ورقة ضغط في صراع إقليمي لا يد لليمن فيه، ولا مصلحة حقيقية له في تحمُّل تكاليفه.
وهنا يبرز الفرق الجوهري بين الخطابين. بيان وزارة الدفاع السعودية يتحدث عن «مسؤولية جماعية» و«شراكة دولية مستدامة» و«حماية الممرات البحرية»؛ لغة مؤسسات، لا لغة زعامة. أما خطاب الحوثي فيتحدث عن «الأمة» و«المخطط الصهيوني» و«إسرائيل الكبرى»، ويضع كل خصم سياسي لإيران، حتى دولته الأصلية، في خانة العداء المطلق. الأول يبني تحالفاً؛ الثاني يبني حصاراً على اليمن وعزلة.
والمفارقة أنه يزعم الدفاع عن «الأمة الإسلامية» فيما يخنق شرايين اقتصادية تخص دولاً إسلامية فقيرة قبل أي طرف آخر. جيبوتي والسودان والصومال ليست إسرائيل، ولا واشنطن، ولا لندن؛ هي دول تعيش على حركة الملاحة في هذا الممر بالذات. فحين يتوقف مرور السفن أو يتباطأ، أو ترتفع كلفة التأمين، تصل الفاتورة إلى شعوب هذه الدول أولاً، لا إلى من يوصف بـ«العدو».
لذلك يحقق التحالف البحري، بصرف النظر عن حجم فعاليته العسكرية المقبلة، مكسباً سياسياً يتجاوز أي عملية اعتراض بحرية: إعادة المشكلة إلى حجمها الحقيقي. ليست قضية سعودية – حوثية، بل قضية دولية تخص كل من يملك سفينة تعبر هذا الممر. وهذا بالضبط ما يخشاه الحوثي؛ فقوته الحقيقية تكمن في تصوير نفسه طرفاً في نزاع ثنائي، لا طرفاً في مواجهة مع المنظومة الدولية بأكملها.
البحر لا يُدار بالخطابة، بل بالقانون والقوة المنظمة. ومن يجعل من مضيق دولي رهينة لحساباته الإقليمية، سيجد نفسه، عاجلاً أم آجلاً، في مواجهة مع تحالف يتجاوز حدود المنطقة كلها.