المخا… إنذار المندب
هناك ضربات تريد إيصال رسالة، وأخرى تريد تعطيل حياة. وما جرى في المخا صباح أمس الأحد من النوع الثاني. أكثر من خمسٍ وعشرين ضربةً بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على ميناء صغير واحد، بحساب وزير النقل نفسه. لا أحد يُنفق هذا الكمّ من النيران على “تحشيدات سعودية” كما ادّعى المتحدث الحوثي. هذا حجمٌ يُنفَق حين تريد إغلاق مرفق، لا إصابة هدف.
والمفارقة أن الميناء كان قبل أشهر قصة نجاح صغيرة. جرى تأهيله ليستقبل السفن مجدداً، وكان يُفترض أن يصير منفذاً للوقود والغذاء إلى مناطق الحكومة. وهذا بالضبط ما جعله هدفاً. فالجماعة لا تقصف ما يخيفها عسكرياً، بل تقصف ما قد يجعل الدولة قادرة على الوقوف.
سيُقال إن في المخا قوات ومخازن. صحيح. لكن انظر إلى ما أصابته النار كما عدّدته وزارة النقل: المناطق الاقتصادية، وسكن الموظفين، والهنجر، ومحطات الوقود، وخزانات الميناء ومنشآته، ومساكن موظفي الإدارة. قالها الوزير بلغة لا تحتمل التأويل: هذه ليست منشأة عسكرية، بل منشأة مدنية واقتصادية حيوية. أما وزارة الصحة فأعلنت، في حصيلة رسمية حتى مساء الأحد، سبعة شهداء وثلاثين جريحاً بينهم طفلان، وأن القصف طال المستشفى السعودي الميداني. ثم عُلِّق استقبال سفن التجارة والإغاثة. وقبل أن تكتمل عمليات الحصر، تحدث متحدث عسكري عن موجة ثانية مساءً. هذه ليست معركة. هذه مدينة أُطفئت.
ومع ذلك، فالخطأ أن يُقرأ الحدث بوصفه مفاجأة. فالجماعة أعلنت حصاراً بحرياً في يوليو. وفي الرابع من أغسطس أُغرقت سفينة هندية كانت متجهة إلى المخا بزورق مفخخ، وأنقذ خفرُ السواحل اليمنية طاقمها ونقله إلى الميناء نفسه الذي قُصف أمس. المعلومة كانت متاحة للجميع. وما لم يكن متاحاً هو القرار.
وهنا جوهر المسألة. منذ عامين والعالم يعاقب النتيجة ولا يلمس السبب. تصنيفٌ إرهابي، وعقوبات، وضربات متقطعة، وقرارات في مجلس الأمن. كلها إجراءات صحيحة، وكلها لم تمنع صاروخاً واحداً من الوصول إلى المخا. وقد سمّت الحكومة اليمنية المصدر في بيانها: نظامٌ يمدّ الجماعة بالسلاح والخبرات والتكنولوجيا العسكرية. ومن يمدّ، يستطيع أن يوقف.
والكلفة لم تعد يمنية. ميناءٌ على مرمى حجر من باب المندب يُخرَج من الخدمة، وممرٌّ يعبره عُشر تجارة العالم يضيق أكثر. ومن يظن أن الأمر شأن محلي، فليراجع كلفة الشحن التي يدفعها هو.
وفي مساء الأحد نفسه تحدث المستويان معاً. رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، من الرياض، طالب واشنطن بالانتقال من احتواء التهديد الحوثي إلى معالجة مصادره وأدواته. وفي المخا، أدار عضو المجلس قائد المقاومة الوطنية طارق صالح الموقف من غرفة العمليات المركزية، مؤكداً أن الوضع في الميناء وجبهات الساحل الغربي تحت السيطرة، وأن الاعتداء لن يمر دون ردّ. سياسة تخاطب الخارج، وميدان يجيب في الداخل. وحين يتطابق تقدير الموقف على المستويين في يوم واحد، فذلك يعني أن سياسة الانتظار استُنفدت.
كان الاحتواء سياسة معقولة حين كان الخطر محدوداً. أما اليوم فقد صار الاحتواء هو المشكلة. وفي بيان مجلس الوزراء جملة ينبغي أن تُعلَّق على جدران غرف التفاوض: الطريق إلى السلام لا يمر عبر مكافأة الإرهاب.
وليست هذه أول مرة. في سبتمبر 2021 قصفت المسيّرات هذا الميناء نفسه، فاحترقت مخازن الإغاثة، ورفعت الحكومة إلى مجلس الأمن خطاباً يُحصي ما دُمّر، وقيل يومها كلامٌ كثير عن الردع وعن الردّ. خمس سنوات، والهدف نفسه، والذريعة وحدها هي التي تتبدل. والفرق بين ذلك اليوم وهذا اليوم ليس في الحوثيين، بل في عدد الذين قرروا ألّا يفعلوا شيئاً.