بين أضواء "الولاية" وظلمات الجوع.. مناسبات طائفية لإنعاش الحوثي وإفقار اليمنيين
- الساحل الغربي، تقرير/ أحمد حوذان:
- منذ 6 ساعات
في الوقت الذي تنطفئ فيه حياة ملايين اليمنيين تحت ثقل الفقر وانقطاع الرواتب وتدهور الخدمات، تتلألأ في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي أضواء مناسبة طائفية سنوية تحمل اسم "يوم الولاية" و"الغدير". احتفالات واسعة، منصات ضخمة، شعارات ممتدة، وأجواء تعبئة سياسية ودينية تتكرر كل عام، في مشهد يعكس مفارقة صارخة بين مليشيا تُنفق على الاحتفال، ومجتمع يواجه الجوع بصمت ثقيل.
احتفالات تتوسع وأزمة تتعمق
في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، تتحول الشوارع إلى مساحات دعائية مفتوحة قبل أسابيع من المناسبة. تُرفع الشعارات، تُنصب المنصات، وتُبث الخطابات عبر وسائل الإعلام المحلية، فيما تُسخّر مؤسسات الدولة في عملية تعبئة شاملة.
الجبايات.. الوجه الآخر للاحتفال
بالتوازي مع هذه الفعاليات، تتسع حملات جمع الأموال التي تُفرض على التجار وأصحاب المحلات والمؤسسات تحت مسميات متعددة مرتبطة بالمناسبة. وتؤكد مصادر محلية في مناطق مختلفة أن هذه الجبايات تأخذ طابعاً إلزامياً في كثير من الحالات، حيث يُمارس ضغط مباشر من قبل مشرفين تابعين للجماعة لضمان تمويل الفعاليات.
وبحسب هذه المصادر، فإن مؤسسات محلية وإدارية تُستخدم كأدوات لتنفيذ عمليات التحصيل، في ظل غياب آليات رقابية مستقلة، ما يخلق حالة من الاستياء الشعبي تجاه هذه الممارسات التي تتزامن مع أزمة اقتصادية خانقة.
لكن خلف هذا المشهد، يعيش السكان واقعاً مختلفاً تماماً؛ أسعار ترتفع بلا توقف، دخل يتآكل، وفرص عمل شبه غائبة، بينما تعتمد آلاف الأسر على مساعدات إنسانية أو أعمال يومية غير مستقرة لا تكفي لسد الاحتياجات الأساسية.
يقول أحد سكان صنعاء للساحل الغربي: "نرى الاحتفالات تملأ الشوارع، لكن في بيوتنا لا يوجد ما يكفي للغذاء. الأطفال يسألون عن الطعام ولا نجد إجابة."
الجبايات.. اقتصاد موازٍ للاحتفال
تتزامن هذه الفعاليات مع حملات جمع أموال واسعة في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تُفرض مبالغ مالية على التجار وأصحاب المحلات والمؤسسات تحت مسميات مرتبطة بالمناسبة.
وبحسب مصادر محلية، فإن عمليات التحصيل لا تقتصر على التبرعات الطوعية، بل تأخذ في كثير من الحالات طابعاً شبه إلزامي، عبر ضغوط تمارسها جهات محلية مرتبطة بالمليشيا، ما يضع أصحاب الأعمال أمام خيارات محدودة.
يقول تاجر في صنعاء للساحل الغربي: "كل عام قبل المناسبة تبدأ لجان التحصيل. الدفع يصبح أمراً واقعاً، وليس خياراً."
الرواتب المعلقة والخدمات المتآكلة
في موازاة ذلك، تستمر أزمة الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث لم يحصل آلاف الموظفين على دخولهم بشكل منتظم منذ سنوات، ما أدى إلى تدهور حاد في مستوى المعيشة.
كما تعاني القطاعات الخدمية من ضغط كبير، خصوصاً الصحة والتعليم والكهرباء والمياه، وسط اتهامات بضعف الإنفاق على هذه المجالات مقارنة بما يُخصص للفعاليات الموسمية ذات الطابع التعبوي.
البعد السياسي للمناسبة
يرى مراقبون أن "يوم الولاية" لم يعد مجرد مناسبة دينية، بل أصبح جزءاً من بنية سياسية تستخدمها مليشيا الحوثي لتعزيز خطابها وتثبيت مشروعها في الحكم.
ويشير هؤلاء إلى أن المناسبة تُستثمر في بناء سردية سياسية تقوم على أحقية دينية وسلالية بالسلطة، وإعادة إنتاج خطاب تعبوي يهدف إلى تعزيز الولاء وتوسيع النفوذ الاجتماعي.
وفي المقابل، يُحرم المواطن من حقه في التساؤل عن مصير الرواتب المقطوعة، أو عن إيرادات الدولة من الضرائب والجمارك والاتصالات والمشتقات النفطية، فيما تتعرض الأصوات المنتقدة للتضييق أو الملاحقة. وتسعى مليشيا الحوثي من خلال "يوم الولاية" إلى تكريس مشروع سياسي يقوم على الاصطفاء السلالي واحتكار السلطة تحت غطاء ديني، في محاولة لإعادة إنتاج خطابها السياسي وتثبيت شرعيتها في المناطق الخاضعة لها، رغم رفض واسع داخل المجتمع اليمني لهذا التوجه.
وفي ظل هذا الواقع، تتسع الفجوة بين سلطة تُنفق على الاحتفالات والرمزية السياسية، ومجتمع يواجه أزمات متفاقمة في الغذاء والدواء والتعليم والخدمات. وبعد أكثر من أحد عشر عاماً من الحرب، لم يعد اليمنيون بحاجة إلى مزيد من المناسبات السياسية، بل إلى حلول اقتصادية ومعيشية عاجلة تعيد لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة. فبينما تزداد أضواء الولاية، يزداد معها الجوع اتساعاً في حياة ملايين اليمنيين الذين ينتظرون دولة لا احتفالات.
بين الرمزية والواقع
رغم الطابع الرمزي للمناسبة، إلا أن انعكاسها على الواقع المعيشي يكشف تناقضاً واضحاً بين الخطاب والاحتياج الإنساني. فبينما تُنفق الموارد على الفعاليات والاحتفالات، تتسع رقعة الفقر، وتزداد معدلات الاحتياج الإنساني، وفق ما تؤكده تقارير أممية تشير إلى أن اليمن لا يزال من بين أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
تكشف الصورة العامة في مناطق سيطرة الحوثيين عن معادلة متناقضة: أضواء احتفالات تتوسع عاماً بعد آخر، مقابل واقع معيشي يزداد قتامة.
وبين "أضواء الولاية" و"جوع اليمنيين"، تتجسد أزمة أعمق من مجرد مناسبة سنوية؛ أزمة تتعلق بترتيب الأولويات، وإدارة الموارد، ومستقبل بلد أنهكته الحرب ولم يعد يحتمل مزيداً من الأعباء.