الحكومة اليمنية تنتزع المعركة إلى القانون الدولي.. وإيران تواصل المقامرة بورقة الحوثيين
- أمين الوائلي
- منذ ساعة
حين تضيق على الأنظمة الاستبدادية خيارات المناورة، لا تبحث عن السلام ولكن عن فتح جبهة جديدة.. وهذه هي القاعدة التي يبدو أن طهران لا تحيد عنها؛ فكلما اشتدت عليها الضغوط، سارعت إلى إخراج الورقة الحوثية من جيبها، وكأن اليمن لم يعد وطناً لشعب يستحق الحياة لكنه بنظرها مجرد منصة إطلاق لمشاريع النفوذ، ومختبراً دائماً لتجارب الابتزاز الإقليمي.
لم يعد خافياً أن مليشيا الحوثي تجاوزت منذ زمن حدود المصالح المحلية، حيث تحولت بفعل الارتباط السياسي والعسكري بإيران إلى ذراع تتقدم حيث يتعذر على طهران أن تتقدم بنفسها، وإلى أداة تستخدمها الأخيرة كلما أرادت أن ترسل رسائل بالنار إلى المجتمع الدولي دون أن تتحمل كلفة المواجهة المباشرة.
ولذلك، فإن التهديدات الإيرانية الأخيرة بإغلاق ممرات الطاقة، تحت الشعار الشعبوي «إما أن تكون للجميع أو يُحرم منها الجميع»، لم تكن سوى نسخة أخرى من دبلوماسية الابتزاز، حيث تتحول التجارة العالمية إلى رهينة، والممرات البحرية إلى أوراق مساومة، والقانون الدولي إلى مجرد حبر على ورق في نظر من يؤمن بمنطق القوة لا بقوة المنطق.
إن من يتابع هذا المشهد يدرك أن الحديث الإيراني لم يكن موجهاً إلى مضيق هرمز وحده، بقدر ما كان يغمز بوضوح نحو باب المندب، ذلك الشريان البحري الذي تحاول طهران الإمساك بعنقه عبر وكلائها.. فحين يعجز المركز عن الاشتباك، يتحرك الوكيل؛ وحين تتراجع قدرة الدولة الراعية على المواجهة المباشرة، تتقدم المليشيا لتنجز المهمة القذرة.
ولعل ما يتردد مؤخراً عن وصول قيادات وخبراء من الحرس الثوري إلى صنعاء، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية والتصريحات الحوثية المتكررة بشأن إغلاق باب المندب، ليس مجرد تزامن بريء بل هي لوحة واحدة تتوزع أدوارها بين المخرج والممثل.. فالمشهد بات مكشوفاً إلى درجة أن الإنكار لم يعد يقنع حتى أصحابه.
وكما قال المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي «حين تصبح القوة بديلاً عن الشرعية، يصبح القانون مجرد عقبة ينبغي تجاوزها»، وهذه بالضبط هي الفلسفة التي تحكم سلوك المشروع الإيراني في المنطقة؛ مشروع يراكم النفوذ فوق أنقاض الدول، ويزرع الميليشيات كما تُزرع الألغام، ثم يتحدث عن المظلومية وكأنه صانع سلام.
غير أن التطور اللافت هذه المرة لم يكن في حجم التهديد والإصرار الإيراني بل في طريقة تعاطي الحكومة اليمنية مع الأزمة.
فقضية الطائرة الإيرانية التي حاولت الهبوط في مطار صنعاء ليست في جوهرها خلافاً حول رحلة مدنية، بقدر ما كانت محاولة جديدة لاختبار مدى هشاشة السيادة اليمنية، وكأن المنافذ الجوية أصبحت قابلة للمصادرة بقرار من مليشيا مسلحة، فيما تتحول الدولة إلى مجرد متفرج على انتهاك صلاحياتها.
لكن الحكومة اختارت هذه المرة مساراً مختلفاً، أكثر هدوءاً وأكثر إيلاماً لخصومها.. فلم تستعجل التصعيد العسكري ولم تمنح الحوثيين فرصة الاستثمار في خطاب المظلومية، لكنها دفعت بالملف إلى ساحة القانون الدولي، حيث يصعب تزوير الوقائع، ويصبح السؤال بسيطاً (من يملك الحق في إدارة المجال الجوي لدولة عضو في الأمم المتحدة، الدولة أم المليشيا)؟.
لقد استنفدت الحكومة أدواتها الدبلوماسية، وقدمت بدائل لتسيير الرحلات عبر الناقل الوطني، وأكدت أن القضية ليست حرمان اليمنيين من السفر، بقدر ما هي منع تكريس انقلاب جديد على السيادة تحت غطاء إنساني مزيف.. وهنا انتقلت المعركة من ضجيج البنادق إلى نصوص اتفاقية شيكاغو للطيران المدني وقرارات مجلس الأمن، وهي ساحة لا تجيد الميليشيات القتال فيها، لأنها اعتادت أن تكتب بياناتها بفوهات البنادق لا بمواد القانون.
وما أعقب ذلك من مواقف دولية مؤيدة لم يكن مجاملة سياسية، لكنها اعترافاً بأن المسألة تتجاوز رحلة طيران مدنية كانت أم عسكرية، لتلامس جوهر الصراع «هل تبقى الدولة صاحبة القرار، أم تتحول المليشيا إلى سلطة أمر واقع تفرض قواعدها بقوة السلاح»؟.
إن الفارق بين الدولة والمليشيا يشبه الفارق بين مؤسسة تبني وطناً وعصابة تدير غنيمة؛ الأولى تستمد شرعيتها من القانون، والثانية تستمد وجودها من فوضى السلاح.. الأولى تحرس المصالح، والثانية تحرس المشروع الذي يمولها.. وبينهما يقف اليمن، يدفع منذ سنوات فاتورة حرب لم يخترها، وصراع لا يخدم سوى تجار الخراب.
أما إيران، فما تزال تراهن على سياسة حرق الوقت وحرق الجغرافيا معاً، وكأن البحر الأحمر مجرد رقعة شطرنج، واليمنيون مجرد بيادق يمكن التضحية بهم في كل جولة تفاوض.. لكن التاريخ لا يرحم الإمبراطوريات الاستبدادية التي بالغت في توظيف الوكلاء؛ فالوكيل الذي يُستخدم لإشعال الحرائق، قد يصبح يوماً أول ضحاياها.
وكما قال مونتسكيو «لا يوجد استبداد أشد قسوة من ذلك الذي يُمارس تحت ستار السلطة».. واليوم تحاول المليشيا أن تلبس ثوب الدولة، فيما تحاول الدولة بشتى الوسائل أن تستعيد ثوبها المسلوب، في مفارقة تكشف حجم الانقلاب الذي تعرض له اليمن خلال العقد الأخير.
الأزمة اليمنية، اليوم، ليست صراع بين حكومة شرعية وجماعة إنقلابية، لكنها معركة فاصلة بين مفهوم الدولة ومفهوم المليشيا، بين السيادة والوصاية، وبين القانون الدولي ومنطق السلاح.
فباب المندب ليس ورقة مساومة في حقيبة الحرس الثوري، ولا ممراً يمكن أن يتحول إلى مزاد سياسي كلما ضاقت الخيارات أمام طهران.. إنه ممر دولي وشريان للتجارة العالمية ورمز لسيادة اليمن... ومن يحاول تحويله إلى أداة ابتزاز، لا يهدد اليمن وحده، لكنه يضع العالم بأسره أمام معادلة خطيرة «إما احترام القانون، أو فتح الباب أمام عصر تُدار فيه الممرات الدولية بمنطق الميليشيات، وتُكتب خرائط النفوذ بمداد الفوضى».