كيف يعيد التصعيد الأمريكي-الإيراني رسم خريطة الصراع اليمني؟

  • أ.د. عبدالوهاب العوج
  • منذ 19 ساعة

أعاد التصعيد العسكري المتسارع بين الولايات المتحدة وإيران إدخال اليمن إلى قلب الصراع الإقليمي، بعد أن تجاوزت الأزمة اليمنية حدودها المحلية لتصبح إحدى أهم ساحات المواجهة غير المباشرة بين القوى الإقليمية والدولية، حيث شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً غير مسبوق تمثل في تبادل الضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وفي الهجمات والاعتداءات الايرانية على عدد من دول الخليج العربي والأردن، إضافة إلى ما أوردته وسائل إعلام دولية عن استهداف منشآت حيوية مدنية ومرافق للطاقة في الكويت والبحرين، إلى جانب سفن تجارية وناقلات نفط في الخليج العربي ومضيق هرمز، الأمر الذي وسّع دائرة المواجهة ورفع المخاوف من تهديد أمن الطاقة العالمي وسلامة الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب. وفي ظل هذه التطورات، بات اليمن يمثل نقطة ارتكاز في معادلة الأمن الإقليمي، بما يحمله ذلك من انعكاسات عسكرية وسياسية واقتصادية تتجاوز حدوده الجغرافية.

من مضيق هرمز إلى باب المندب.. 
حيث نجد ان توسع رقعة المواجهة بما شهدته الايام الأخيرة من تصعيد متسارع بدأ بتبادل الضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وتوسع دائرة المواجهة في الخليج العربي ومضيق هرمز، وفي ظل تهديدات متبادلة باستهداف المصالح الحيوية وخطوط الملاحة الدولية وغلق مضيق باب المندب وفي سياق ما أعلن عنه الحوثيون من استعدادهم للانخراط في المواجهة، ولا سيما عقب منع الطائرة الإيرانية من الهبوط في مطار صنعاء والقادمة من طهران عبر سلطنة عمان، واستهداف مدرج المطار من قبل الطيران العسكري التابع للحكومة الشرعية، ثم هبوط تلك الطائرة في مطار الحديدة، وما تبعها من مرحلة تصعيد مليشيات الحوثي وإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيرة باتجاه جنوب المملكة العربية السعودية، إلى جانب التهديد باستهداف السفن المرتبطة بالمصالح الأمريكية في البحر الأحمر.
وفي حال استمرار هذا المسار التصعيدي، فمن المرجح أن تتوسع الضربات الأمريكية لتشمل منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة ومراكز القيادة والسيطرة التابعة للحوثيين، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليص قدراتهم العسكرية ومنع تحول اليمن إلى منصة دائمة لتهديد الملاحة الدولية.

حدود التصعيد بين الردع والاستنزاف

تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معادلة دقيقة تقوم على استعادة قوة الردع دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة. ويبدو أن واشنطن تفضل استراتيجية الضربات المركزة التي تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية وشبكة وكلائها، مع تجنب الانخراط في عمليات برية واسعة.
في المقابل، تعتمد طهران على استراتيجية الاستنزاف غير المباشر من خلال توظيف حلفائها الإقليميين لإبقاء الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية على خصومها، مع الحرص على عدم تجاوز الخطوط التي قد تدفع إلى مواجهة شاملة يصعب احتواؤها.
غير أن استمرار التصعيد يرفع من احتمالات سوء التقدير العسكري، وهو ما قد يؤدي إلى توسع رقعة الحرب بصورة يصعب السيطرة عليها.

اليمن.. من الحلقة الأضعف إلى العقدة الجيوسياسية

لم يعد اليمن مجرد الحلقة الأضعف في الصراع الإقليمي، بل أصبح أحد أهم مفاتيح إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن.
فبعد تراجع نفوذ بعض أذرع إيران في المنطقة نتيجة الضغوط العسكرية، برز الحوثيون باعتبارهم أهم أدوات الضغط الإيرانية على خطوط التجارة العالمية المارة عبر باب المندب.
ومن هذا المنطلق، تحمل الضربات الأمريكية رسائل متعددة؛ فهي تستهدف إضعاف القدرات العسكرية للحوثيين، وتؤكد في الوقت ذاته أن أمن الملاحة الدولية أصبح جزءاً من الأمن القومي الأمريكي، كما تطمئن حلفاء واشنطن في الخليج بأن الولايات المتحدة مستعدة للتدخل المباشر لحماية الممرات البحرية الحيوية.
وفي المقابل، يواجه الحوثيون معضلة استراتيجية؛ فكلما ازداد انخراطهم في المواجهة الإقليمية، ارتفعت احتمالات تعرضهم لضربات عسكرية أكثر اتساعاً، بما قد يؤثر في توازناتهم الداخلية ويعيد فتح جبهات الصراع داخل اليمن.

التداعيات الاقتصادية.. اليمن في قلب أزمة الطاقة العالمية

لا يقتصر تأثير التصعيد على الجوانب العسكرية، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، إذ إن أي اضطراب في مضيق هرمز أو باب المندب ينعكس مباشرة على أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية ويزيد تكاليف النقل والتأمين البحري.
ولم تقتصر تداعيات التصعيد على المواجهة العسكرية المباشرة، بل امتدت ـ بحسب ما أوردته وسائل إعلام دولية خلال الأيام الأخيرة ـ إلى استهداف منشآت حيوية ومرافق للطاقة، فضلاً عن سفن تجارية وناقلات نفط في الخليج العربي، وهو ما أسهم في زيادة الاضطراب في حركة التجارة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وعزز المخاوف من حدوث اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية. وفي ظل هذا المشهد، تزداد أهمية باب المندب والبحر الأحمر باعتبارهما امتداداً استراتيجياً لمضيق هرمز، بما يجعل اليمن جزءاً محورياً في معادلة أمن الملاحة والتجارة الدولية، وليس مجرد ساحة صراع محلية.
أما داخل اليمن، فإن استمرار التصعيد يفاقم الأزمة الاقتصادية، ويؤخر استئناف تصدير النفط، ويزيد الضغوط على العملة الوطنية، ويؤثر في أداء الموانئ، ويضاعف معاناة المواطنين في ظل تراجع الإيرادات الحكومية واستمرار الأزمة الإنسانية.

مستقبل الوكلاء وإعادة تشكيل النفوذ الإيراني

تشير التطورات الأخيرة إلى أن شبكة الاذرع الإقليميين لإيران تمر بمرحلة إعادة تموضع نتيجة الضغوط العسكرية المتزايدة التي تتعرض لها طهران وحلفاؤها في أكثر من ساحة وخاصة في لبنان والعراق والى حد ما في اليمن، ومما يبدو أن هذه التطورات تدفع إيران إلى إعادة توزيع أدوار وكلائها بما يتناسب مع متطلبات المرحلة، في محاولة للحفاظ على قدرتها على التأثير في موازين القوى الإقليمية.
وبالنسبة للحوثيين، فإن استمرار استهداف قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة والبنية العسكرية المرتبطة بها قد يدفعهم إلى إعادة ترتيب أولوياتهم العملياتية، أو تكثيف نشاطهم على الجبهة الداخلية لتعويض الضغوط الخارجية، مع السعي للحفاظ على قدرتهم على التأثير في أمن البحر الأحمر وباب المندب.
وفي المقابل، تراقب الحكومة اليمنية والمجلس الرئاسي وبقية القوى الوطنية هذه التطورات بحذر، في ظل مخاوف من أن تفضي أي تفاهمات أمريكية ـ إيرانية مستقبلية إلى ترتيبات سياسية جديدة قد تؤثر في مستقبل الدولة اليمنية، أو تعيد إنتاج توازنات لا تعالج جذور الأزمة.

المواقف الدولية.. انقسام يطيل أمد الأزمة

لا يزال المجتمع الدولي منقسماً بشأن كيفية إدارة التصعيد المتسارع في المنطقة.
فالولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية يركزون على حماية الملاحة الدولية وضمان أمن الممرات البحرية وردع الهجمات التي تستهدف السفن التجارية وناقلات النفط، بينما تدعو قوى دولية أخرى إلى احتواء التصعيد وتغليب المسار الدبلوماسي خشية انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية واسعة.
كما تستمر الاتهامات الغربية لإيران بتزويد الحوثيين بالأسلحة والتقنيات العسكرية، بينما تنفي طهران تلك الاتهامات. وفي الوقت ذاته، أسهمت التطورات العسكرية الأخيرة وما تناقلته وسائل إعلام دولية بشأن اتساع نطاق الهجمات في المنطقة في زيادة المخاوف من اتساع رقعة الصراع، بما يهدد أمن الطاقة العالمي وسلامة خطوط التجارة الدولية.
أما الأمم المتحدة، فما زالت تواجه صعوبة في إعادة إحياء مسار التسوية السياسية، في ظل استمرار العمليات العسكرية وتباين مواقف القوى الدولية والإقليمية، الأمر الذي يجعل الأزمة اليمنية أكثر ارتباطاً بتوازنات الصراع الإقليمي والدولي من ارتباطها بمسار الحل الداخلي.

السيناريوهات المحتملة:
أولاً: سيناريو الاستنزاف والتجميد (الأكثر ترجيحاً)
يستمر تبادل الضربات المحدودة والردود غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مع بقاء خطوط المواجهة مفتوحة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، وهو ما يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق الانقسام اليمني وتأجيل أي تسوية سياسية، مع استمرار الحوثيين في ممارسة ضغوط متقطعة على الملاحة الدولية وتهديد أمن البحر الأحمر.
ثانياً: سيناريو الضربات المحدودة
تواصل الولايات المتحدة استهداف القدرات العسكرية النوعية للحوثيين، بالتوازي مع استمرار الردود الإيرانية عبر الوكلاء في أكثر من ساحة، بما يحافظ على مستوى مرتفع من التوتر دون الوصول إلى مواجهة مباشرة واسعة، مع بقاء اليمن إحدى أهم ساحات الصراع غير المباشر بين واشنطن وطهران.
ثالثاً: سيناريو العودة إلى حرب الوكالة
قد تفضي تفاهمات سياسية أو ترتيبات أمنية بين الولايات المتحدة وإيران إلى خفض مستوى المواجهة المباشرة، مع استمرار استخدام الوكلاء كأدوات للضغط المتبادل، بما يبقي الحوثيين ورقة نفوذ إيرانية في البحر الأحمر، ويكرس حالة اللاسلم واللاحرب داخل اليمن، ويؤجل استعادة الدولة ومؤسساتها.
رابعاً: سيناريو الحرب الإقليمية الشاملة
وهو السيناريو الأكثر خطورة، ويتمثل في توسع الضربات العسكرية داخل إيران، يقابله انخراط كامل لشبكة الوكلاء في عدة جبهات، بما فيها اليمن. وقد تمتد الهجمات إلى الممرات البحرية والمنشآت النفطية والبنى التحتية الحيوية في المنطقة، مع ما قد يترتب على ذلك من اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية، وتعطل سلاسل الإمداد، وتفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية، الأمر الذي يجعل اليمن إحدى أكثر الساحات تأثراً بنتائج هذه المواجهة.

وفي المحصلة النهائية، لم يعد مستقبل اليمن يتحدد داخل حدوده فحسب، بل أصبح مرتبطاً بصورة وثيقة بمسار الصراع الأمريكي الإيراني وبمستقبل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. فكلما اتسعت دائرة التصعيد، ازداد خطر تحول اليمن إلى ساحة صراع دائمة تُدار فيها الحسابات الإقليمية والدولية على حساب الدولة اليمنية ووحدتها واستقرارها.
كما أن استمرار التوتر في مضيقي هرمز وباب المندب، واتساع دائرة المواجهة لتشمل منشآت حيوية وممرات بحرية استراتيجية، يجعل اليمن في قلب معادلة الأمن الإقليمي والدولي، لا باعتباره مجرد ساحة حرب داخلية، بل بوصفه أحد أهم المفاتيح الجيوسياسية المؤثرة في أمن البحر الأحمر وأمن الطاقة العالمي، ومن ثم، فإن أي استقرار مستدام لن يتحقق إلا عبر تسوية سياسية شاملة تستند إلى المصالح الوطنية اليمنية، وتحظى بدعم إقليمي ودولي حقيقي، يضع استعادة مؤسسات الدولة وحماية سيادتها وأمنها القومي في مقدمة الأولويات، بعيداً عن منطق الحروب بالوكالة والصراعات المفتوحة.

ذات صلة