الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية .. إلى متى؟
- أ.د. عبدالوهاب العوج
- منذ ساعتين
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ نهاية الحرب الباردة، إذ تتداخل الصراعات الإقليمية مع التنافس بين القوى الكبرى، وتتراجع الحدود الفاصلة بين الأمن الوطني والأمن الإقليمي، بينما أصبحت الحروب غير التقليدية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، والحرب السيبرانية، أدوات رئيسية لإدارة الصراع وتحقيق المكاسب السياسية.
وفي قلب هذه التحولات تقف إيران بوصفها أحد أبرز الفاعلين الإقليميين، حيث تبنت منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 سياسة خارجية تقوم على توسيع النفوذ الإقليمي، وبناء شبكات من الحلفاء والوكلاء، وتوظيف الأزمات الإقليمية لتعزيز مكانتها الاستراتيجية. وقد أسهم هذا النهج في إعادة تشكيل موازين القوى في عدد من الساحات العربية، من العراق وسوريا ولبنان إلى اليمن والبحر الأحمر، وأصبح له تأثير مباشر على أمن الخليج العربي والممرات البحرية الدولية.
ومع انتقال المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية من مرحلة العمليات السرية وحرب الظل إلى مواجهات أكثر انكشافًا، برزت تحديات جديدة أمام الدول العربية، التي تجد نفسها في كثير من الأحيان متأثرة بنتائج هذا الصراع دون أن تكون طرفًا مباشرًا فيه. فالهجمات على المنشآت الحيوية، وتهديد الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر، واستهداف البنية التحتية، جميعها تؤكد أن الأمن العربي بات جزءًا من معادلة إقليمية ودولية معقدة.
وينطلق هذا المقال من فرضية رئيسية مفادها أن ا ستمرار الاعتداءات على الدول العربية لا يمكن فهمه بمعزل عن الاستراتيجية الإيرانية الأشمل، ولا عن طبيعة البيئة الدولية والإقليمية التي تشجع على إدارة الصراعات بدلًا من تسويتها، ومن ثم فإن معالجة هذه التحديات تتطلب رؤية عربية جماعية تتجاوز ردود الفعل الآنية، وتؤسس لمنظومة ردع متوازنة، قائمة على التكامل السياسي والعسكري والدبلوماسي.
أولًا: الاستراتيجية الإيرانية... من تصدير الثورة إلى إدارة النفوذ
يصعب فهم السياسة الإيرانية في المنطقة دون العودة إلى الأسس الفكرية التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية، والتي مزجت بين الاعتبارات العقائدية والمصالح القومية.
فمنذ ثورة الخميني عام 1979، تبنت طهران مفهوم "تصدير الثورة" باعتباره أحد مرتكزات سياستها الخارجية، ثم تطور هذا المفهوم تدريجيًا ليصبح مشروعًا لبناء نفوذ إقليمي يمتد عبر عدد من الساحات العربية،
وخلال العقود الماضية، استثمرت إيران في بناء أدوات نفوذ متنوعة، لم تقتصر على العلاقات الدبلوماسية، وإنما شملت تطوير قدرات صاروخية، وتعزيز برامج الطائرات المسيّرة، ودعم حلفاء محليين، بما منحها قدرة على التأثير في مسارات الأزمات الإقليمية دون الانخراط في مواجهة تقليدية واسعة.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال أن السياسة الإيرانية تشكلت أيضًا تحت تأثير بيئة أمنية معقدة، تشمل العقوبات الاقتصادية، والضغوط المرتبطة بالبرنامج النووي، والمنافسة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما جعل القيادة الإيرانية تنظر إلى توسيع النفوذ الخارجي باعتباره وسيلة لتعزيز الردع وحماية مصالحها الاستراتيجية.
ثانيًا: لماذا أصبحت الدول العربية ساحة رئيسية للصراع؟
الجغرافيا السياسية تفسر جانبًا مهمًا من الإجابة. فالدول العربية تحتضن أهم مصادر الطاقة العالمية، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، وهي ممرات ترتبط مباشرة بأمن الاقتصاد العالمي.
ومن ثم، فإن أي تصعيد في هذه المناطق يمنح أطراف الصراع أوراق ضغط مؤثرة في مواجهة القوى الدولية. ولهذا، أصبحت بعض الساحات العربية مسرحًا للتنافس بين مشاريع إقليمية ودولية متعددة، تتداخل فيها اعتبارات الأمن، والطاقة، والاقتصاد، والنفوذ السياسي،
كما أن هشاشة بعض الدول العربية، وامتداد النزاعات الداخلية فيها، وفرت بيئات مناسبة لتنافس القوى الإقليمية، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد الأمني، وجعل الأزمات المحلية تتداخل مع حسابات الصراع الإقليمي.
ثالثًا: الحرب الإيرانية–الإسرائيلية... تحول في قواعد الاشتباك
أحد أهم المتغيرات خلال السنوات الأخيرة هو انتقال المواجهة بين إيران وإسرائيل إلى مستوى أكثر مباشرة، بعد أن كانت تدار في الغالب عبر عمليات استخباراتية وضربات محدودة ووكلاء محليين،
ورغم أن الطرفين يحرصان غالبًا على تجنب حرب شاملة، فإن ارتفاع وتيرة الضربات المتبادلة يرفع من احتمالات سوء التقدير، ويزيد من خطر امتداد الصراع إلى ساحات عربية، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن الطاقة، والاستثمار، والملاحة البحرية، والاستقرار الاقتصادي.
وفي هذا السياق، تجد الدول العربية نفسها أمام معادلة معقدة: فهي معنية بحماية أمنها وسيادتها، وفي الوقت نفسه حريصة على تجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة ستكون لها آثار كبيرة على التنمية والاستقرار.
رابعًا: هل تغيرت معادلة الأمن العربي؟
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن التهديدات لم تعد تقتصر على الجيوش التقليدية، بل باتت تشمل الطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، والهجمات السيبرانية، واستهداف البنية التحتية الحيوية.
وهذا يفرض على الدول العربية إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي، بحيث يشمل حماية الممرات البحرية، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، إلى جانب تطوير التكامل الدفاعي والاستخباراتي، وتعزيز القدرة على الردع ضمن إطار القانون الدولي.
ومن هنا، فإن مستقبل الأمن العربي لن يتحدد فقط بحجم الإنفاق العسكري، بل بمدى نجاح الدول العربية في بناء رؤية استراتيجية مشتركة، وتطوير آليات التعاون السياسي والأمني، والقدرة على إدارة الأزمات بصورة جماعية، بما يحفظ الاستقرار ويقلل من فرص الحرب.
الجزء الأول وسيتبع.