الحسن طاهر في "اليمن بودكاست" .. ما لم تقله زرقاء اليمامة
في الموروث العربي، ارتبط اسم زرقاء اليمامة بحدة البصر ونفاذ البصيرة، حتى غدت رمزًا لمن يرى ما يعجز الآخرون عن رؤيته. غير أن الأحداث الكبرى تثبت دائمًا أن الحقيقة أوسع من أي رواية، وأن الصورة، مهما بدت مكتملة، قد تخفي تفاصيل لا تكشفها إلا شهادات من كانوا في قلب الحدث. ومن هنا، فإن بعض الشهادات لا تضيف معلومات جديدة فحسب، بل تعيد تشكيل فهمنا لما ظننا أننا نعرفه.
ومن هذا المنطلق، تستحق شهادة الدكتور الحسن طاهر، محافظ الحديدة، في "اليمن بودكاست" وقفةً متأنية؛ ليس لأنها تقدم رواية جديدة فحسب، بل لأنها تصدر عن مسؤول كان في قلب الأحداث، وشارك في صناعة القرار خلال واحدة من أكثر مراحل الحرب اليمنية تعقيدًا، بما يجعلها إضافة مهمة إلى النقاش حول تلك المرحلة.
لقد تميزت المقابلة بأنها تجاوزت مجرد سرد الوقائع إلى تقديم قراءة تفسيرية تربط الأحداث بسياقاتها السياسية والعسكرية. فقد عرض المحافظ – وفق شهادته – رؤيته لمعركة الحديدة، موضحًا أن الاعتبارات الإنسانية وحماية المدنيين كانت حاضرةً في حسابات القرار العسكري، إلى جانب الأهداف الميدانية، وهو ما يفتح المجال لإعادة قراءة تلك المرحلة من زاوية أحد المسؤولين الذين كانوا في قلب الحدث.
وفي تناوله لاتفاق ستوكهولم، قدّم المحافظ روايةً تختلف عن كثير من التصورات السائدة، مبينًا أن الاتفاق كان، في بداياته، جزءًا من تصور أشمل، قبل أن تفضي التفاهمات والضغوط الإقليمية والدولية إلى قصره على الحديدة. وتكتسب هذه الرواية أهميتها من أنها تسلط الضوء على حجم التداخل بين الاعتبارات العسكرية والحسابات السياسية، بما يعزز فهم الكيفية التي تشكلت بها قرارات تلك المرحلة.
كما تناول المحافظ ملف إعادة التموضع، وهو من أكثر ملفات الحرب اليمنية تعقيدًا وإثارةً للجدل، مستعرضًا – بحسب شهادته – خلفيات القرار وسياقاته ونتائجه. ومن أبرز ما كشفه أنه فوجئ بقرار الانسحاب إلى مسافة تقارب (120) كيلومترًا، في حين أن اتفاق ستوكهولم – بحسب ما أورده – كان ينص على إعادة انتشار متبادل لا يتجاوز خمسة كيلومترات لكل طرف. وفي هذا السياق، تقتضي الموضوعية الإشارة إلى أن الفريق الركن طارق صالح، قائد المقاومة الوطنية، لم يكن صاحب قرار هذا الانسحاب، بل كان من القيادات التي تعاملت مع تداعياته، وقد عُرف عنه تمسكه بالخيار الوطني ومواصلة مواجهة المشروع الحوثي. وتمنح هذه الإفادة بُعدًا جديدًا للنقاش حول مدى اتساق ما جرى على الأرض مع الترتيبات التي نص عليها الاتفاق.
وفي مجملها، تكشف المقابلة أن الحرب في اليمن لم تكن مواجهةً عسكريةً فحسب، بل كانت ساحةً تداخلت فيها اعتبارات الداخل مع حسابات الإقليم وضغوط المجتمع الدولي، وهو ما يجعل فهم ما جرى في الحديدة مرتبطًا بفهم هذا التشابك الذي وجّه مسار الأحداث وأثر في قراراتها المصيرية.
وإذا كانت المقابلة قد أعادت إضاءة بعض صفحات الماضي، فإنها تدعو، في الوقت نفسه، إلى التفكير في المستقبل. فالحديدة، بما تمثله من أهمية سكانية واقتصادية واستراتيجية، تستحق أن تتصدر أولويات الدولة في برامج الإعمار والتنمية، وأن تحظى بدعمٍ وافر من برامج إعادة الإعمار التي ينفذها التحالف العربي لدعم اليمن، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، بما يسهم في إعادة بناء البنية التحتية، وتحريك عجلة التنمية، وتعزيز الاستقرار، وخدمة أمن البحر الأحمر واليمن والمنطقة بأسرها.
ختامًا، تؤكد هذه المقابلة أن الشهادات الصادرة من قلب الأحداث لا تُغلق باب النقاش، بل تفتحه على آفاقٍ أوسع للفهم والتحليل. فكل رواية موثقة تضيف لبنةً في بناء الوعي بما جرى، وتسهم في قراءة أكثر توازنًا لمرحلة مفصلية من تاريخ اليمن، بما يساعد على استخلاص دروسها واستشراف مستقبلها.
..