محاكمة الـنظـام الإيـراني في "باكو": (مرافـعـةٌ بـاسم الجمـهوريـة الـيمنيـة)

  • إبراهيم الأهدل
  • منذ ساعة

* الزمن : ٢٤ يونيو ٢٠٢٦

* المكان : قاعة مؤتمر اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي المنعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو،

* الحدث :  لم يكن المشهد مجرد سجالٍ دبلوماسي بين وفدين، بل بدا وكأن منصة المؤتمر قد تحولت إلى قاعة عدالة سياسية، تقف فيها الجمهورية اليمنية مدعيةً بحقها في السيادة والاستقلال، بينما وجدت سياسات النظام الإيراني نفسها في مواجهة مرافعة تستند إلى الوقائع قبل العواطف، وإلى القانون الدولي قبل الشعارات.

في تلك اللحظة، لم يكن الشيخ سلطان البركاني مجرد رئيسٍ لمجلس النواب اليمني أو رئيسٍ لوفد برلماني، بل كان محامي الجمهورية اليمنية(بل ودول الخليج العربي)، يحمل بين يديه ملفًا مثقلًا بالأدلة، ويترافع باسم شعبٍ أنهكته الحرب، ودولةٍ ما تزال تخوض معركة استعادة مؤسساتها وسيادتها.

ولو جاز لنا أن نعيد رسم المشهد بلغة القضاء، لافتُتحت الجلسة بهذه الكلمات:

"باسم العدالة... وباسم سيادة الدول... وباسم حق الشعوب في أن تعيش حرةً مستقلة... تُفتتح الجلسة."
ثم يُتلى قرار الاتهام:
المتهم: النظام الإيراني.
التهمة: انتهاك سيادة الدول، والتدخل في شؤونها الداخلية، ودعم جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، وتقويض الشرعيات الدستورية، وتحويل عدد من الأقطار العربية إلى ساحات نفوذ وصراعات بالوكالة.
أما الأدلة... فلم تكن بحاجة إلى كثير عناء.
اليمن... دليلٌ حاضر.
ولبنان والعراق وسوريا... شهود
أربع ساحات، واختلاف في الجغرافيا، لكن شهادة واحدة؛ أن الميليشيات لا تبني أوطانًا، وأن مشاريع الهيمنة لا تنتج استقرارًا، وأن التدخل في شؤون الدول لا يورث إلا الانقسام، واستنزاف مؤسسات الدولة، وإطالة أمد الصراعات.

ومن هنا جاءت مرافعة البركاني مختلفة؛ فلم تكن خطابًا انفعاليًا، ولا ردًا عابرًا على ممثل إيران، بل كانت مرافعة سياسية محكمة، صيغت بلغة رجل الدولة، واستندت إلى منطق القانون، وأحاطتها حكمة السياسي المخضرم. فلم يخاصم شعبًا، ولم يحرّض على أمة، وإنما وجّه خطابه إلى سياساتٍ رأى أنها كانت سببًا في زعزعة استقرار المنطقة، وتقويض الدولة الوطنية، ومصادرة حق الشعوب في تقرير مصيرها.

لقد أثبت الشيخ سلطان  أن الشجاعة ليست حكرًا على ميادين القتال، بل قد تتجلى في كلمةٍ تُقال في توقيتها الصحيح، ومن على منصة دولية، بثقة لا تعرف التردد، وحجة لا يملك الخصم أمامها إلا المكابرة.

فكما يصنع أبطال القوات المسلحة والمقاومة الوطنية ملاحم البطولة في جبهات القتال دفاعًا عن الجمهورية واستعادة الدولة، كان سلطان البركاني يخوض في باكو معركةً لا تقل أهمية؛ معركة الدفاع عن الشرعية، وحماية الرواية الوطنية، وإسقاط محاولات تزييف الحقائق. إنها جبهة دبلوماسية وسياسية تقف بمحاذاة جبهة الميدان؛ فإذا كان الجندي يحمي حدود الوطن ببندقيته، فإن رجل الدولة يحمي سيادته بكلمته، وكلاهما يؤدي الرسالة الوطنية نفسها، وإن اختلفت أدوات المواجهة.

ولعل القيمة الحقيقية لكلمة البركاني أنها أعادت تعريف القضية اليمنية أمام الحضور الدولي؛ فهي ليست أزمةً داخلية مجردة، وإنما قضية دولةٍ تدافع عن شرعيتها الدستورية، وسيادتها الوطنية، واستقلال قرارها السياسي في مواجهة مشروعٍ عابرٍ للحدود، لا يعترف بسيادة الدول بقدر ما يؤمن بتوسيع دوائر النفوذ.

وفي ختام هذه المرافعة، لم يكن البركاني بحاجة إلى أن يطلب حكمًا من أحد؛ لأن بعض القضايا تكفيها قوة الحقيقة. فالتاريخ هو القاضي الذي لا يجامل، والوقائع هي الشهود الذين لا يكذبون، والقانون الدولي هو الميزان الذي لا يستقيم إلا باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.

حقيقةً، في باكو، لم يكن زئير الشيخ سلطان البركاني مجرد ردٍ على ممثل إيران، بل كان مرافعةً باسم الجمهورية اليمنية، ومحاكمةً سياسيةً لمشروع الغطرسة الإيرانية، ورسالةً أكدت أن الشرعية، حين تمتلك رجال دولةٍ يجمعون بين شجاعة الموقف، وحكمة الخطاب، وقوة الحجة، فإنها تنتصر في جبهة الدبلوماسية بـ "شرف الكلمة" كما ينتصر أبطالها المقاتلون في جبهة الميدان بشجاعة الموقف.

ذات صلة