وفاة هادي وتنازع المرجعيات الدستورية: استمرار شرعية مجلس القيادة الرئاسي أم إعلان خلو منصب الرئاسة؟
يثور الجدل في السياق اليمني عقب وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي حول الأثر القانوني لهذه الواقعة على البناء الدستوري القائم، وبوجه خاص على مدى استمرار شرعية مجلس القيادة الرئاسي، وما إذا كان من شأن الوفاة أن تُعيد إحياء أحكام خلو منصب رئيس الجمهورية وفقاً لأحكام المادة (١١٦ ) من الدستور اليمني لعام ١٩٩٠ وتعديلاته، أم أن الشرعية القائمة تستمر استناداً إلى قرار هادي بنقل السلطة الصادر عنه بتاريخ ٧ أبريل ٢٠٢٢م .
وتأسيساً على ذلك، فإن التوصيف القانوني لقرار نقل السلطة يعد المدخل الحاسم لفهم الإشكال محل البحث. إذ يمكن توصيف هذا القرار بأنه "إعلان دستوري مكمّل"، لا مجرد تفويض فردي أو إجراء إداري تقليدي، بالنظر إلى طبيعة السياق السياسي والدستوري الذي صدر فيه، والذي تجاوز حدود السردية القانونية الصارمة المستمدة من نصوص الدستور اليمني النافذ في صورته المجردة.
فالواقع السياسي في اليمن، بما شهده من تحولات منذ عام 2011، وما تلاها من متغيرات في سبتمبر 2014 ثم أحداث مارس 2015، قد فرض حالة استثنائية ممتدة، لم يعد معها العمل بالنصوص الدستورية الحرفية كافياً بمفرده لضبط الواقع السياسي، بل برزت الحاجة إلى تفعيل آليات الشرعية الانتقالية وشرعية الضرورة والقوة القاهرة، باعتبارها أدوات تنظيمية تفرضها مقتضيات استمرار الدولة في ظل الانقسام والحرب وتعطل المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، فإن الكتلة الدستورية في الحالة اليمنية لم تعد تقتصر على الدستور النافذ وحده، بل توسعت لتشمل منظومة من الوثائق ذات الطبيعة الدستورية أو شبه الدستورية، وفي مقدمتها: *المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية*_ نوفمبر ٢٠١١، بوصفها وثائق أُعيد من خلالها تنظيم السلطة الانتقالية وأدخلت تعديلات جوهرية على آليات الحكم، ثم أُضيف إليها لاحقاً *إعلان نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي* _ أبريل ٢٠٢٢، والذي استند في تأسيسه إلى المبادئ العامة للدستور والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.
وبهذا الاعتبار، يمكن النظر إلى إعلان نقل السلطة بوصفه إعلاناً دستورياً مكملاً لبقية الوثائق الدستورية السابقة، لا ينفصل عنها بل يندمج في بنيتها، بحيث يشكل امتداداً للكتلة الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية. ما يعني تعديل نصوص إعلان نقل السلطة للدستور اليمني النافذ، وإلغاء أي نصوص دستورية أو سياسية أخرى تتعارض مع الأحكام الواردة في ثناياه، والقول بغير ذلك، ، أي اعتبار هذه الترتيبات مجرد إجراءات سياسية معزولة، يؤدي عملياً إلى تفكيك الأساس الذي تقوم عليه شرعية مؤسسات الدولة القائمة في الوضع الراهن.
وعليه، فإن مجلس القيادة الرئاسي لا يستمد شرعيته من تفويض شخصي قابل للانقضاء، وإنما من الإعلان الدستوري المكمل المتمثل في قرار نقل السلطة الصادر بتاريخ ٧ أبريل ٢٠٢٢، بوصفه إعلاناً دستورياً مكملاً (وثيقة تأسيسية إضافية للمرحلة الانتقالية) أعادت تشكيل رأس السلطة التنفيذية في إطار جماعي. ومثل هذه الإعلانات الدستورية، من حيث طبيعتها القانونية، لا تسقط بوفاة مصدرها، لأنها ليست تصرفات شخصية مرتبطة بذات الحاكم، وإنما ترتيبات دستورية انتقالية مرتبطة بواقع سياسي ومؤسسي قائم.
ومن ثم، فإن الإنهاء القانوني لمثل هذه الترتيبات لا يكون بوفاة الرئيس السابق أو بزوال صفته، وإنما يرتبط بتغيرات جوهرية في الواقع السياسي، أو بانتهاء المرحلة الانتقالية ذاتها، أو بقيام سلطة دستورية جديدة تستند إلى تسوية سياسية شاملة أو إلى استفتاء شعبي يعيد إنتاج الشرعية الدستورية على أسس مستقرة.
وفي المقابل، تجدر الإشارة إلى أن المعالجة الدستورية في ظل الظروف العادية كانت تقتضي تطبيق النصوص الدستورية المنظمة لحالة خلو منصب رئيس الجمهورية، وبوجه خاص المادة (116) من الدستور، التي تقضي بتولي هيئة رئاسة مجلس النواب مهام رئاسة الجمهورية بصورة مؤقتة في حال خلو المنصب وعدم وجود نائب للرئيس للحلول محله، وذلك إلى حين انتخاب رئيس جديد وفقاً للإجراءات الدستورية المقررة. غير أن هذا المسار يفترض وجود مؤسسات دستورية مستقرة وظروف سياسية اعتيادية تسمح بتطبيق النصوص الدستورية بصورة كاملة، وهو ما ليس متحققاً في الحالة اليمنية الراهنة المتسمة بتعقيدات الحرب وحالات الانقسام والتشظي وتعطل عدد من مؤسسات الدولة.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن وفاة الرئيس هادي لا تُنتج بذاتها أثراً قانونياً يؤدي إلى إعلان خلو منصب الرئاسة بالمعنى الذي يعيد تفعيل الآليات الدستورية التقليدية، ولا تؤدي في الوقت ذاته إلى إنهاء شرعية مجلس القيادة الرئاسي، لأن هذه الشرعية لم تعد قائمة على التفويض الشخصي، بل على منظومة الوثائق الدستورية الانتقالية (الكتلة الدستورية) المنظمة للوضع اليمني الراهن، والتي تمثل إطاراً استثنائياً لاستمرار الدولة في ظل تعذر التطبيق الكامل للدستور بمعناه التقليدي. ما يعني استمرار قيام شرعية مجلس القيادة الرئاسي وعدم تأثرها بوفاة الرئيس السابق(هادي).
* د. إبراهيم الأهدل
باحث في المجال الدستوري