جائزة باشراحيل في دورتها الثانية: حين يتحول رأس المال إلى قوة ثقافية

منذ ساعة

دعوني في بداية الحديث أضع السؤال التالي: هل الثقافة ترف يمكن للمجتمعات أن تستغني عنه حين تضيق بها الأحوال؟ بالتأكيد لا؛ كما أن الكتابة والإبداع ليسا شأنًا هامشيًا يُترك للمصادفة أو للمبادرات الفردية المحدودة. فالمجتمعات التي تسعى لبناء مستقبلها، كما تحتاج إلى اقتصاد قوي، تحتاج بالقدر نفسه إلى عقل مبدع قادر على صناعة الوعي والأفكار؛ كون تنمية وجدان الشعوب وحده من يحفظ ذاكرتها، كما أن المجتمعات تحتاج إلى مبدعين يستطيعون أن يمنحوا تجربتها الإنسانية معنى يتجاوز اللحظة ويبرزها، لتصبح شهادةً لهم ولعصرهم في المستقبل.

ومن هذه المعطيات تكتسب جائزة الشيخ محمد بن صالح باشراحيل وحرمه للإبداع الأدبي أهميتها؛ كونها تقدم نموذجًا ثقافيًا وإنسانيًا جديرًا بالتأمل في العلاقة بين رأس المال والثقافة، وتضع أمام رجال الأعمال سؤالًا يتجاوز فكرة التبرع أو الرعاية الموسمية: ماذا يستطيع رأس المال أن يفعل حين يؤمن بأن الثقافة جزء من بناء الإنسان والمجتمع؟

والأهم، باعتقادي، أن خصوصية هذه الجائزة لم تكن في التمويل وحده، بل في الشخص الذي يقف وراءها ويرعاها، وهو الأديب عبدالله باشراحيل؛ لا بوصفه رجل أعمال يساند الثقافة من موقع خارجي فحسب، وإنما بوصفه شاعرًا ومثقفًا وصاحب وعي ثقافي معزز بحضور وعطاء إنساني نبيل، ترك أثرًا ملموسًا في وجدان مبدعين عرب من أقطار شتى. ولذلك فإن علاقته بالجائزة تنطلق من إيمان حقيقي بالأدب والمبدعين، ومن معرفة مباشرة بقيمة الكلمة ودورها في حياة المجتمعات الإنسانية في عصر رقمي أسهم في تسليع كل شيء.

فالمثقف حين يملك القدرة على دعم الثقافة، لا يصبح المال بالنسبة إليه غاية، بل وسيلة لتوسيع دائرة الأثر. والشاعر الذي يفتح الطريق أمام شعراء وكتاب آخرين، لا يكتفي بصناعة تجربته الخاصة، وإنما يشارك في صناعة المشهد الثقافي من حوله، وهو ما يفعله الأديب عبدالله باشراحيل.

لقد حضرت فعالية توزيع الجائزة في دورتها الثانية لعام 2026، وشاهدت كيف واصلت رسالتها في دعم الإبداع العربي، وفتحت منافساتها في خمسة فروع أدبية هي: شعر الفصحى، وشعر العامية، والقصة القصيرة، والرواية، والدراسات النقدية الأدبية. بل وامتد أثرها إلى نشر الأعمال الفائزة، بحيث لم تعد الجائزة مجرد مبلغ مالي يصل للكاتب ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل يمتد لرفد المكتبة العربية بإضافات جديدة وخلاقة كل عام.

وهو ما يعكس وعيًا بالمشكلة التي يعانيها المبدع العربي دائمًا؛ وهي ليست في غياب الموهبة، وإنما في غياب البيئة التي تمنح الموهبة فرصة للنمو والاستمرار والخلود. فكم من شاعر وقاص وروائي وناقد كتب نصوصًا مهمة بدم روحه وواتقاد خياله، ثم اضطرته الحياة والتجاهل إلى ترك الكتابة؛ لأن مطالب الحياة كانت أقوى من شغفه؟ وكم من مشروع ثقافي مات قبل أن يرى النور؛ لأن صاحبه لم يجد ناشرًا أو مؤسسة تتبناه وتمنحه بطاقة العبور لعقول ووجدان الناس؟

ووفق هذا المنظور، فإن الجائزة الثقافية حين تكون جادة وذات رؤية، تستطيع أن تقطع جزءًا من هذه الطريق الشاقة التي قد يواجهها المبدع. فهي تمنحه الاعتراف، وتوفر له موردًا يساعده على مواصلة مشروعه، وتلفت انتباه القراء والنقاد والناشرين إلى أعماله التي ربما كانت ستظل بعيدة عن الضوء وخارج دائرة الاهتمام.

لكن الأهم من المال نفسه هو المعنى الذي يحمله المال حين يذهب إلى الثقافة.

فرأس المال في صورته التقليدية يبحث عن الربح، وهذا حقه وطبيعته. غير أن المجتمعات المتقدمة أدركت أن مسؤولية رأس المال لا تنتهي عند تحقيق الأرباح، وأن جزءًا من قوته يمكن أن يتحول إلى أثر اجتماعي وإنساني طويل المدى. وعندما يستثمر رجال الأعمال في التعليم أو المعرفة أو الفن أو الأدب، فإنهم لا يقدمون صدقة للمجتمع، بل يشاركون في صناعة رأس مال آخر أكثر بقاءً: رأس المال الثقافي، كقيمة إنسانية لا تفنى مع تقادم الأزمنة.

وهذا ما يجعل تجربة جائزة باشراحيل لافتة. فالأديب عبدالله باشراحيل جمع في تجربته الشخصية بين الإبداع الثقافي والقدرة على العطاء، وجعل من حضوره وإمكاناته وسيلة لخدمة الأدب والمبدعين، إلى جانب ما عُرف عنه من اهتمام بالثقافة والعطاء الإنساني، ليغدو بذلك صاحب رؤية تستحق أن تنتقل من تجربة فردية إلى ثقافة عامة جديرة بالتطبيق والاقتداء، كتجربة عربية رائدة، إضافة إلى تجربة مؤسسة البابطين.

فكم نحن بحاجة إلى أن نعيد تعريف علاقة الثراء بالثقافة. وليس مطلوبًا من كل رجل أعمال أن يصبح شاعرًا أو ناقدًا، ولا أن يتحول كل صاحب شركة إلى مؤسسة ثقافية، ولكن المأمول أبسط وأعمق: أن يدركوا أن المجتمع الذي صنع ثروتهم يستحق منهم شيئًا يتجاوز دفع الضرائب أو تشغيل الموظفين؛ شيئًا يبقى في حياة الناس ويرمم شتات أفكارهم وعواطفهم في عصر الميديا والذكاء الاصطناعي.

فهل سيعجز رجل الأعمال عن أن يؤسس جائزة، أو يمول مكتبة، أو يتبنى نشر الكتب، أو يدعم مجلة ثقافية، أو ينشئ صندوقًا للترجمة، أو يقدم منحًا للباحثين والمبدعين الشباب؟ على العكس، يمكن للشركات أن تجعل الثقافة جزءًا من مسؤوليتها الاجتماعية، لا بوصفها واجهة للعلاقات العامة، وإنما بوصفها استثمارًا حقيقيًا في حياة ووعي الإنسان.

فالثقافة تحتاج إلى هذا النوع من الدعم؛ لأنها لا تستطيع دائمًا أن تموّل نفسها وفق قوانين السوق. فالكتاب الجيد قد يحتاج سنوات حتى تظهر قيمته، والشاعر لا يستطيع أن يقيس أثر قصيدته بعدد مبيعاتها، والباحث قد ينفق سنوات من عمره على موضوع لا يدر عليه مالًا، لكنه يضيف شيئًا إلى المعرفة الإنسانية.

وهنا تكمن النقطة الجوهرية: أسوأ ما يمكن أن يفعله رأس المال بالثقافة أن يشتريها أو يفرض عليها وصايته. أما أفضل ما يستطيع فعله، فهو أن يمنحها مساحة من الاستقلال، وأن يترك الحكم على العمل للجان المتخصصة وأهل الاختصاص، وأن يدعم المبدع من دون أن يطالبه بأن يكتب ما يرضي الممول، وهو ما ينطبق على جائزة باشراحيل وعلى صاحبها.

وقد أدركت الجائزة منذ بداياتها أهمية استقطاب أسماء واتجاهات متعددة في المشهد الثقافي العربي، وامتدت مجالاتها لتشمل الشعر والقصة والرواية والنقد والدراسات الأدبية والإنسانية، وهو ما منحها حضورًا عربيًا يتجاوز حدود التكريم الشخصي إلى الفعل الثقافي الخلاق.

وفي دورتها الحالية، اتسعت المشاركة لتشمل مبدعين من عدة أقطار عربية، وهو ما يكشف أن الجائزة لم تعد شأنًا محليًا محدودًا، بل أصبحت منصة عربية للتنافس الأدبي والاحتفاء بالإبداع، وهو ما تبشر به نسختها القادمة المزمع إقامتها في المملكة العربية السعودية.

ولعل تكريم اسم الشاعر أمل دنقل في الدورة الأخيرة بالجائزة التقديرية مثال آخر على أن الجوائز الثقافية لا ينبغي أن تنحصر في اكتشاف الجديد فقط، بل عليها أيضًا أن تحفظ ذاكرة الثقافة، وأن تعيد تقديم رموزها للأجيال الجديدة. وهذا يوضح رؤية صاحب الجائزة للأدب والشعر، وينفي تعصبه لشكل معين، بحسب ما ذهب إليه البعض.

ومما لا شك فيه أن تكريم المبدع الحي مهم، لكن تكريم المنجز الثقافي الذي تركه الراحلون أكثر من مجرد احتفاء؛ إنه إعلان عن أن المجتمع لا يسمح لذاكرته أن تتآكل، ولا ينسى رموزه ورواده ومبدعيه العظماء.

ومن هنا، فإن جائزة باشراحيل تقدم درسًا يتجاوز الجائزة نفسها؛ حيث يمكن لرأس المال أن يكون شريكًا في صناعة الوعي دون أن يفقد طبيعته الاقتصادية، ويمكن للثقافة أن تستفيد من المال دون أن تتحول إلى سلعة في يده.

وما نحتاجه عربيًا هو أن تتكاثر هذه النماذج في كل عاصمة عربية. نحتاج إلى رجال أعمال يرون في تأسيس جائزة أدبية أو دعم مشروع ثقافي نوعًا من رد الجميل للمجتمع، كما نحتاج إلى مؤسسات ثقافية تعرف كيف تستقطب رأس المال من دون أن تتنازل عن استقلالها.

لكن تجربة عبدالله باشراحيل تقدم إضافة مهمة إلى هذا المعنى؛ فهي لا تقوم على علاقة ممول بالثقافة من الخارج، بل على علاقة شاعر ومثقف بالثقافة التي ينتمي إليها ويؤمن بها. وهذا يجعل العطاء أكثر صدقًا، ويمنح المبادرة روحًا تتجاوز الرعاية المالية إلى الإيمان بقيمة الأدب والمبدع كرفيق حرف.

فالمال يستطيع أن يبني برجًا يرتفع إلى السماء، كما يمكنه أن يشيد مصنعًا ينتج سلعًا مختلفة، لكنه حين يبني مكتبة أو يدعم شاعرًا أو ينشر كتابًا أو يفتح الطريق أمام باحث شاب في مقتبل العمر، فإنه يبني شيئًا قد يبقى بعد أن تزول الأبراج والمصانع: الإنسان نفسه. وهنا تأتي أهمية الجوائز الثقافية والمبادرات الإنسانية التي تستثمر في الإنسان، وهذا هو المعنى الأعمق لأي جائزة ثقافية ناجحة.

فالجائزة لا تمنح المال للمبدع وحسب، وإنما تقول له: إن ما تكتبه له قيمة، وإن المجتمع يرى في موهبتك ونتاجك استثمارًا يستحق العناية. وبوصول رأس المال إلى هذه القناعة، فإنه لا يعود مجرد مال، بقدر ما يتحول إلى قوة ثقافية حية في نفوس الشعوب.

وإذا كان الأديب عبدالله باشراحيل قد اختار أن يجمع بين الكلمة والعطاء، وبين تجربته الإبداعية ومسؤوليته تجاه الثقافة والمجتمع، فإن جائزة باشراحيل تغدو مثالًا حيًا على ما يمكن أن يحدث حين يلتقي رأس المال بالوعي، والشعر بالمسؤولية، والنجاح الشخصي بالعطاء الإنساني.

فالثروة قد تصنع لصاحبها مكانة، لكن أجمل ما يمكن أن تفعله هو أن تصنع للآخرين فرصة.

وختامًا، فالجائزة أصبحت أكثر من كونها تكريمًا للفائزين؛ فعلًا من أفعال الوفاء للثقافة، ورسالة إلى الأجيال الجديدة بأن هناك من يؤمن بأن الكلمة تستحق أن تُحترم، وأن المبدع يستحق أن يُساند، وأن الثقافة ليست هامشًا في حياة الأمم، بل واحدة من أهم الطرق التي تحفظ بها المجتمعات ذاكرتها وتصنع بها مستقبلها، وخير شاهد على ازدهار ورقي من عاشوا هذه الحقبة من الزمن أو تلك. فكل مرحلة شهودها هم من رسموها بالكلمات، ومن منحوهم المساحة المناسبة للرسم.

فما أشبه باشراحيل بسيف الدولة، ولكن السؤال: كم متنبيًا أضاعه قومه في كل زمان ومكان؟