المخا.. نزيف الرئة وسقوط الأقنعة

منذ ساعة

تجدّد الجُرحُ اليوم، ولم تكن الصواريخ الباليستية وأسراب المسيرات التي أطلقتها مليشيات الحوثي المدعومة من النظام الإيراني واستهدفت ميناء المخا مجرد حادثٍ عابر؛ بل كانت محاولة آثمة لاغتيال شريانٍ وطنيٍّ سيادي، ورئةٍ اقتصادية أُعيد بعثُها من تحت الركام لكسر طوق الاحتكار الملاحي وإعادة التوازن الاقتصادي في البحر الأحمر. إن سقوط الصواريخ على مرفقٍ مدني، حتى وإن سلِمَت فيه الأرواحُ مجازاً وتفادت الدماء، لا يقلل إطلاقاً من حجم الكارثة؛ فالضحيةُ المدنية الأكبر هنا هي الملايين من أبناء هذا الشعب الصابر، والعمال، والتجار، والمتلقين للمساعدات الإنسانية الذين يعتمدون على هذا الشريان في قوت يومهم ومعيشتهم.
لقد شُيِّد هذا المرفق الحيوي ليكون نافذة أملٍ لكل اليمنيين، ومع تسارع خطوات التأهيل والاستحداث بدعمٍ مباشر ومتابعةٍ حثيثة من قائد المقاومة الوطنية ورئيس المكتب السياسي، الفريق أول ركن طارق محمد عبد الله صالح، بدأت الموازين الملاحية تتوزع بعدالة لتستعيد البلاد دورها التاريخي. وبحلول عام 2027—لو قُدِّر لاتفاقية ديسمبر الماضي أن تسلك طريقها نحو النفاذ—كان المقدر للمخا أن يستوي عرشاً لوجستياً يربط اليمن بالمنطقة والعالم.
جاءت اتفاقية الميناء مع شركة "بريما" لتُتوّج ثمرةَ عامٍ ونصف العام من التخطيط والتنقيب عن التمويل لصالح مؤسسة موانئ البحر الأحمر، حيث أسفرت تلك الجهود عن حشد 139 مليون دولار لاستعادة موقع المخا كمركزٍ ملاحيٍّ محوري. ولم تكن تلك المشاريع مجرد أوهامٍ على ورق؛ إذ سبقتها حركة تصديرٍ فعلية لمنتجات الساحل الغربي نحو الأسواق الخليجية والقرن الإفريقي وسلطنة عمان. وفي أبريل 2025، كان الميناء على موعدٍ مع استقبال السفينة "باي 10"، كأكبر سفينة بضائع تجارية ترسو فيه منذ أكثر من عقد ونصف. ثم تلتها خطة غرفة تجارة وصناعة تعز لربط الميناء بأسواق الشرق الأفريقي والهند، بالتوازي مع التطلعات الأممية والدولية لاعتماد المخا كمركزٍ لوجستيٍّ رئيسي للإغاثة والتجارة؛ نظراً لموقعه الجغرافي الفريد الذي يربط مختلف أرجاء الوطن.
لكن الفاجعة الكبرى لا تتمثل فقط في استهداف البنية التحتية وحجم الدمار المادي الذي أحدثه الاستهداف المباشر اليوم من قبل مليشيات الحوثي المدعومة من النظام الإيراني، بل في استهداف "المواطن" في أمنه الغذائي والمعيشي، وفي حالة الغموض والتعامي الشامل التي تغلف هذه الجريمة المروعة، وسط صمتٍ مريب وتجاهلٍ دوليٍّ يثير ألف علامة استفهام. حين تُستهدف منشأة مدنية وحيوية وبهذا الحجم، ويُخنق الملايين من المستفيدين المدنيين، يظل التعاطي الدبلوماسي والأممي رهيناً لمواقف باهتة وبيانات فضفاضة، وكأن معيشة الأبرياء والمنشآت الحيوية التي تخدمهم باتت مجرد أرقامٍ هامشية في حسابات الردع والتوازنات الدولية.
إن حماية الشرايين الاقتصادية والمدنية وحقوق المستفيدين من المواطنين مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تحتمل التفريط أو الصمت. فالمخا ليس مجرد مرفق محلي، بل نافذة إنسانية وتنموية للبلاد بأسرها، وكان يقتضي الواجب الدولي والدبلوماسي حزم موازين الردع القانوني والإنساني لصون هذه المنشآت وحماية العاملين والمستفيدين منها وتحييدها التام عن أتون الصراعات.
لقد سقط الميناء اليوم تحت وطأة صمتٍ غريب وتكالبٍ مريب تظل أبعاده طي الخفاء، وستبقى تداعيات هذا التغاضي ماثلةً للعيان، تنطق بعمق المأساة التي تعانيها المخا ومقدراتها النازفة أمام مرأى ومسمع العالم.