ثورة الريال التي تهز عرش الكهنوت "أنا جاوع"

منذ ساعة

في صنعاء المكبوتة، حيث صودرت الحريات وقُطع الصوت وسُجن الرأي، اختار الجائعون سلاحاً لم تتوقعه مليشيات الحوثي: الأوراق النقدية.
انسياقاً مع المبادرة التي أطلقها المؤثر أحمد الجيشي.

وخلال أسابيع قليلة تحولت العملة من مجرد وسيلة شراء منهارة، إلى وجع المواطن الذي ينتقل من يد إلى يد ويدق كل الأبواب.

معلومات من الأسواق والمحلات التجارية في مناطق سيطرة الحوثي تؤكد أن نسبة 45% من العملات المتداولة الآن تحمل كتابات: "أنا جاوع". "أين الراتب". "ارحل يا حوثي". 
عبارات قصيرة خطها مواطنون قرروا أن يكسروا الصمت أخيراً.

لم يعد المواطن يخشى. القيد الذي زرعته الميليشيات الحوثية لسنوات بدأ يتصدع. الغالبية العظمى تشارك اليوم في هذه المبادرة الصامتة التي انطلقت كرد فعل مباشر على الجوع والقمع. الصور تنتشر، والريالات المختومة بوجع الناس تصل إلى كل مكان، حتى في ظل القمع والتعتيم الإعلامي.

سيقول البعض: لماذا العملة؟
لأن القادمون من الكهف أغلقوا كل النوافذ.
وسراً تُكتب الكلمات على العملة فهي الشيء الوحيد الذي يقدسها المشرف الحوثي. وهي الوسيلة الوحيدة التي لا يستطيع الكهنوت حجبها.
لذلك تحولت من رمز "السيادة" الزائفة التي يتغنون بها، إلى شاهد على انهيارهم.
هم من أتلفوا قيمة الريال بطباعة المليارات بلا غطاء لتمويل حربهم. وهم اليوم يجرمون من يكتب على بقاياه المشتتة والمنهارة.

فالتاريخ اليوم يعيد نفسه وهذا ليس جديداً. يقول التاريخ إن الشعوب عندما تُكمم أفواهها تكتب على ما تملك.
في السودان كُتب على الجنيه "عصيان مدني 19 ديسمبر" فأسقط البشير.
في إيران كُتبت الشعارات على التومان تحت أنف الرقابة.
في زيمبابوي ظهرت كلمة "كفى" على الدولار فارتجف نظام موغابي.
وفي فنزويلا تحول البوليفار الميت إلى لوحة احتجاج عالمية.
اليوم الدور على اليمن. الريال اليمني دخل قائمة العملات التي صنعت الثورات.

فارتبكت حسابات الكهنوت وسياساتهم
وكان ارتباكهم هذه المرة فاضحاً. جندوا إعلاميين وناشطين مجبورين على الظهور للهجوم على الحملة ووصفها بـ "إتلاف للسيادة".
لكن السؤال الذي هربوا منه: وأين كانت "السيادة" عندما مات الموظف جوعاً بلا راتب؟ وأين كانت عندما نهبت المرتبات لتذهب لجيوب "السادة"؟ وأين كانت عندما أُجبر الطفل على الجبهة؟ 
والأهم: أين كانت عندما قامت مليشيات الحوثي بطباعة المليارات على أوراق معدومة القيمة بدون غطاء؟

ففشلت حملة التشويه فشلاً ذريعاً. لأنك لا تستطيع أن تقنع جائعاً بأن الكتابة على ورقة "جريمة" بينما تجويعه "سياسة".

فما يحدث في صنعاء اليوم ليس شخبطة على ورقة. هو استفتاء شعبي صامت. هو إعلان أن الخوف انكسر.
عندما تصادر الميليشيات كل شيء، فإن آخر ما يملكه الإنسان - حتى ولو كان ريالاً ممزقاً - سيتحول إلى سلاح.
"أنا جاوع" المكتوبة بالحبر اليوم، هي الصرخة التي ستُسمع غداً في كل المحافل.
لأن العملة التي فقدت قيمتها الاقتصادية، تستعيد قيمتها الثورية.

والكهنوت يعلم ذلك جيداً. ولهذا هو مرعوب.