مجلس القيادة.. وسياسة الممكن والمأمول

منذ ساعة

ليست القيادة أن تعِد الناس بالمأمول، ولا أن تستسلم لحدود الممكن؛ وإنما أن تجعل من الممكن طريقًا إلى المأمول. تلك هي السياسة التي تُبنى بها الدول، وتُدار بها الأزمات، وتُصنع بها الإنجازات.

ومن يتأمل أداء مجلس القيادة الرئاسي، برئاسة الدكتور رشاد العليمي، يلحظ هذا النهج في تعامله مع عدد من الملفات الكبرى؛ فأزمة الطائرة الإيرانية «ماهان إير»، ثم قرار استئناف تصدير النفط، وما أعقبهما من إجراءات وخطوات، يمكن قراءتها في إطار سياسة تقوم على تحقيق الممكن اليوم، تمهيدًا لبلوغ المأمول غدًا، عبر خطوات متدرجة لاستعادة وظائف الدولة وتعزيز حضورها.

في أزمة «ماهان إير»، لم ينشغل مجلس القيادة بإرضاء المزاج العام أو ملاحقة ردود الفعل، بقدر ما ركز على النتيجة. فقد أدرك أن هيبة الدولة لا تُصان بالصخب، وإنما بقدرتها على فرض قرارها وتحقيق أهدافها بأقل كلفة ممكنة. وهنا يظهر الفارق بين إدارة الأزمة بمنطق الانفعال وإدارتها بمنطق الدولة.

ثم جاء قرار استئناف تصدير النفط، المتوقف منذ عام ٢٠٢٢، ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بملف اقتصادي عابر، بل باستعادة إحدى أهم وظائف الدولة. فالنفط ليس مجرد مورد اقتصادي، وإنما أحد عناوين السيادة؛ واستئناف تصديره خطوة لاستعادة الدولة قدرتها على إدارة مواردها، والوفاء بالتزاماتها، وتعزيز استقلال قرارها.

كما جاءت الإجراءات الأخيرة التي اتخذها المجلس لمواجهة التهريب وحماية المنافذ والإيرادات في السياق نفسه؛ فاستعادة السيطرة على المنافذ، وحماية الموارد، وتجفيف مصادر اقتصاد الحرب، ليست مجرد إجراءات أمنية أو مالية، وإنما خطوات لاستعادة حضور الدولة وفاعليتها. وقد تبدو هذه الخطوات جزئية، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في تراكمها وتحويل الممكن المتاح اليوم إلى أساس لمأمول أكبر غدًا.

إن سياسة الممكن والمأمول ليست تراجعًا عن الأهداف ولا قبولًا بالأمر الواقع، وإنما إدراك بأن الأهداف الكبرى لا تُنجز بقفزة واحدة، بل بخطوات محسوبة تتراكم حتى تُحدث التحول المنشود. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة أداء مجلس القيادة في إدارة الملفات الوطنية باعتباره محاولة للموازنة بين متطلبات اللحظة وأهداف الدولة الاستراتيجية؛ فالمعيار ليس سرعة الخطوة بالضرورة، وإنما قدرتها على إنتاج نتيجة قابلة للبناء عليها، وتحويل الإنجاز الجزئي إلى مسار يقود نحو الهدف الأكبر.

لكن سياسة الممكن لا تعني التردد أو الإحجام عن الحسم عند الضرورة؛ فالدولة التي تحسن إدارة الفرص هي ذاتها التي تمتلك القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة حين تقتضي المصلحة الوطنية. ومن هذا المنطلق، جاء اجتماع مجلس الدفاع الوطني وإقراره حزمة من الإجراءات لدعم معركة التحرير، ليؤكد أن الواقعية السياسية لا تلغي خيار القوة، وإنما تجعله إحدى أدوات الدولة حين تقتضي الضرورة، حفاظًا على الدولة وصونًا لسيادتها.

ومن الإنصاف أن نلتمس العذر للناس في انفعالها ورغبتها الصادقة في بلوغ الغاية بأسرع وقت؛ فالشعب الذي أنهكته الحرب والأزمات، وطال انتظاره لاستعادة الدولة، من الطبيعي أن يضيق بالتدرج ويبحث عن الطريق الأقصر إلى الخلاص. لكن ما قد يكون مفهومًا في وجدان الناس لا يكون بالضرورة صالحًا في إدارة الدولة؛ فالدولة مطالبة بالموازنة بين الغاية والوسيلة، وبين ما نريده وما نستطيع تحقيقه، وبين سرعة الوصول وكلفة الطريق. وهنا تظهر قيمة القيادة: أن تفهم انفعال الناس وتحترم غاياتهم، لكنها لا تسمح للانفعال بأن يحكم قرار الدولة.

قد تختلف التقديرات حول بعض الوسائل والخطوات، لكن المعيار الأهم في تقييم مجلس القيادة يبقى قدرته على تحويل القرار إلى نتيجة، والنتيجة إلى مسار قابل للاستمرار. وإذا كان الهدف هو استعادة الدولة اليمنية كاملة السيادة والفاعلية، فإن الممكن ليس تنازلًا عن المأمول، بل هو بدايته العملية.

ولعل العبارة التي قالها رئيس مجلس القيادة الرئاسي، د. رشاد العليمي، في أحد اجتماعاته مع محافظي المحافظات: «العبرة بالنتائج لا بالخطوات»، تختزل جانبًا مهمًا من هذه الفلسفة؛ فالدولة لا تُقاس فقط بما تعلنه من أهداف، وإنما بما تنجح في تحقيقه على الأرض.

وفي بلدنا المكلوم، اليمن، حيث تكثر التحديات وتتعقد مسارات الحل، قد لا يكون المطلوب أن نصل إلى المأمول دفعةً واحدة، وإنما أن نجعل كل خطوة ممكنة اليوم تقود إلى يمنٍ أكثر استقرارًا وقدرةً على صناعة مستقبله.

لكننا نأمل من مجلس القيادة أن يُحسن توظيف الممكن، وأن يدرك متى يكون التدرج حكمة، ومتى يصبح الحسم ضرورة، فيتخذ ما تقتضيه المصلحة الوطنية من قرارات دون تردد أو إحجام؛ وعليه أن يعي أنّه في اللحظات الفارقة لا تُقاس حنكة القيادة بما يتجنبه من قرارات، وإنما بشجاعته في اتخاذ ما يقتضيه الموقف في الوقت المناسب.