الساحل الغربي يعيد ترتيب صفوفه.. تشكيل «المقاومة التهامية» وإعادة بناء الجبهة بعد أعنف المعارك

  • الساحل الغربي، عادل عبدالمجيد:
  • منذ ساعة

دخلت جبهات الساحل الغربي مرحلة جديدة من إعادة تنظيم القوات والانتشار والقيادة، عقب أسابيع من أعنف المواجهات مع مليشيا الحوثي، وفي ظل تصاعد المخاوف من تداعيات التطورات الميدانية على أمن مضيق باب المندب والملاحة الدولية، بالتزامن مع تحركات عسكرية وسياسية وإقليمية متسارعة.

وفي أحدث خطوات إعادة بناء الجبهة، أصدر نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي- قائد المقاومة الوطنية الفريق أول ركن طارق صالح، قراراً بتشكيل «المقاومة التهامية» كقوة مستقلة، وتعيين اللواء زايد منصر قائداً لها.

ونص القرار على تشكيل القوة من الفرقتين الأولى والثانية للمقاومة الوطنية، مع تمتعها باستقلالية كاملة مالياً وإدارياً وعملياتياً، وتحديد نطاق عملها وفق ما تقرره الجهات المختصة، على أن تتبع مباشرة العمليات المشتركة للتحالف العربي.

ويأتي القرار بعد أيام من معارك واسعة شهدها الساحل الغربي، دفعت قيادة المقاومة الوطنية إلى إعادة تمركز قواتها في خطوط دفاعية جديدة، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على القوة وإفشال مخطط حوثي لتطويقها واستنزافها.

أكثر من 500 شهيد و1500 جريح في صفوف المقاومة

قالت المقاومة الوطنية، في بيان، إن قواتها خاضت خلال الفترة من 9 أغسطس إلى 10 سبتمبر واحدة من أشرس المعارك على امتداد جبهات الساحل الغربي، في مواجهة مليشيا الحوثي التابعة لإيران.

وأوضحت أن الهجوم بدأ بقصف صاروخي مكثف وهجمات بالطائرات المسيرة والزوارق المفخخة، قبل أن تتوسع المواجهات خلال الأسابيع التالية على محاور حيس والكدحة ومقبنة والبرح وعلى امتداد خطوط التماس.

وبحسب البيان، دفعت مليشيا الحوثي بأعداد كبيرة من المقاتلين والتعزيزات من مختلف المحاور الممتدة من حيس إلى الكدحة ومقبنة ثم البرح، فيما تصدت ألوية المقاومة الوطنية للهجوم لنحو ثلاثة أسابيع متواصلة.

وقالت المقاومة إن المواجهات أسفرت عن استشهاد أكثر من 500 من مقاتليها وإصابة نحو 1500 آخرين، فيما قدرت خسائر الحوثيين بأكثر من ألف قتيل وآلاف الجرحى.

واتهمت المقاومة الوطنية الحرس الثوري الإيراني وحلفاءه في المنطقة بالمشاركة والإسناد المباشرين للهجوم، مشيرة إلى أن طبيعة العمليات ومستواها أظهرا، وفق تقييمها، وجود عناصر وخبرات إيرانية في إدارة المعركة.

وأضافت أن الهجوم أُعد مسبقاً لاستغلال طبيعة التضاريس والسيطرة النارية على عدد من المرتفعات الحاكمة، وصولاً إلى محاولة تطويق القوات وتدميرها.

إعادة التموضع.. الحفاظ على القوة لا إنهاء المعركة

أكدت المقاومة الوطنية أن كثافة الهجوم والحشود الحوثية المتتالية دفعت قيادتها إلى اتخاذ قرار إعادة التمركز والتجهيز في خطوط دفاعية جديدة، بهدف الحفاظ على القوات وإفشال مخطط التطويق والتدمير.

وشددت على أن إعادة الانتشار تأتي في إطار إعادة تنظيم القوة وليس إنهاء المواجهة، مؤكدة أن «خسارة معركة ليست نهاية المطاف».

وأشادت المقاومة بالمساندة التي قدمتها المملكة العربية السعودية خلال المعارك، وبمشاركة وإسناد ألوية العمالقة ودرع الوطن ومتطوعي القبائل، معتبرة ذلك تجسيداً لوحدة الصف الجمهوري والمصير المشترك في مواجهة المشروع الإيراني.

كما أشارت إلى أن نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن طارق صالح، أدار تفاصيل المعركة ميدانياً من مقر القيادة، وظل يتابع سير العمليات ومواقف المقاتلين لحظة بلحظة، رغم القصف الذي استهدف مقر القيادة.

وأكدت أن التطورات الأخيرة أثبتت أن معركة استعادة الدولة ليست معركة قطاع عسكري واحد، وإنما تتطلب تكامل مختلف الجبهات الوطنية وتحريكها بصورة متزامنة لكسر اندفاع الحوثيين واستعادة المبادرة وفرض واقع عسكري جديد.

وشددت المقاومة على أنها لا تسعى إلى تخوين أي طرف أو تحميل أي جهة مسؤولية ما جرى خارج نطاق ما تثبته الحقائق الميدانية، ولا تريد الدخول في «تصفية حسابات أو مزايدات سياسية» لا تخدم سوى الحوثيين.

وقالت إن الأولوية تتمثل في إنصاف من قدموا أرواحهم دفاعاً عن الجمهورية، وقراءة الموقف بموضوعية، واستخلاص العبر وإعادة ترتيب الأوراق للمراحل المقبلة.

«المقاومة التهامية».. قوة مستقلة لإعادة بناء الجبهة

يمثل تشكيل «المقاومة التهامية» أبرز ملامح إعادة ترتيب الجبهة الساحلية بعد التطورات الأخيرة.

فالقوة الجديدة تتمتع، وفق القرار، باستقلالية مالية وإدارية وعملياتية، وترتبط مباشرة بالعمليات المشتركة للتحالف العربي، فيما أُسندت قيادتها إلى اللواء زايد منصر.

وتشير هذه الصيغة إلى أن القرار يتجاوز مجرد إعادة تسمية الوحدات، باتجاه إعادة توزيع الأدوار والقيادة داخل جبهة تعرضت لضغط عسكري كبير خلال الأسابيع الأخيرة.

ويأتي ذلك بعد توجيه سابق بإعادة ترتيب صفوف القوات في الساحل الغربي وتشكيل مركز قيادة بديل جنوب المخا، عقب الاختراقات التي حققها الحوثيون في عدد من محاور القتال؛ وهي خطوة قُدمت باعتبارها محاولة لإعادة تجميع القوات بالتنسيق مع قيادة التحالف العربي ومجلس القيادة الرئاسي.

وبحسب قراءة ميدانية أوردتها مصادر صحفية، فإن تشكيل القوة التهامية يمثل مرحلة تالية لإعادة التموضع؛ فإذا كان الهدف الأول هو منع انهيار بقية الجبهة والحفاظ على القوات، فإن المرحلة التالية تتمثل في إعادة بناء قوة أكثر تماسكاً وقدرة على العمل ضمن نطاق جغرافي محدد.

لكن القرار لا يتضمن إعلاناً عن هجوم مضاد أو تحديد موعد لمعركة لاستعادة المناطق التي خسرتها المقاومة، فيما يوفر استقلال القوة عملياتياً وربطها بالعمليات المشتركة للتحالف مؤشراً على أن إعادة التنظيم تتجاوز المعالجة الإدارية المباشرة لآثار الانتكاسة الميدانية.

تعدد التشكيلات يضع الجبهة أمام اختبار توحيد القيادة

كشفت التطورات الأخيرة، وفق تحليلات عسكرية وسياسية أوردتها المصادر، عن تحديات مرتبطة بتعدد التشكيلات وتداخل مناطق المسؤولية والقيادة داخل الجبهة المناوئة للحوثيين.

وضمت مواجهات الساحل الغربي تشكيلات متعددة، بينها المقاومة الوطنية وألوية العمالقة ودرع الوطن ووحدات من محور تعز، وهي قوات شاركت في المواجهات الأخيرة قبل أن تعيد تنظيم انتشارها عقب الاختراقات الحوثية.

ومن شأن تشكيل قوة تهامية مستقلة أن يمنح أحد مكونات الجبهة هوية عملياتية أكثر وضوحاً، ويساعد في إعادة تنظيم القوى المحلية المرتبطة بالساحل ضمن إطار أكثر تخصصاً، خصوصاً مع الانتقال من مهمة الدفاع عن المواقع وتأمين خطوط الإمداد إلى بناء قوة قادرة على استعادة زمام المبادرة.

غير أن نجاح الخطوة سيظل مرتبطاً بمدى قدرة مختلف التشكيلات المناوئة للحوثيين على العمل ضمن قيادة أكثر تماسكاً، وتأمين خطوط الإمداد، ومنع تكرار الاختراقات التي دفعت القوات إلى إعادة الانتشار خلال فترة زمنية قصيرة.

باب المندب يدخل قلب المعادلة

لا يمكن فصل إعادة بناء جبهة الساحل الغربي عن الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لمنطقة باب المندب.

وتقول مصادر وتقارير صحفية إن التطورات الأخيرة، وما رافقها من حديث عن وصول الحوثيين إلى مناطق قريبة من المضيق والسيطرة على مواقع وجزر استراتيجية، أعادت الساحل الغربي إلى قلب الحسابات اليمنية والإقليمية، بعدما تحولت المنطقة من جبهة داخلية إلى نقطة تماس ذات تأثير مباشر على أمن الملاحة والتجارة والطاقة.

وتكتسب مناطق ذو باب ورأس العارة وخور عميرة أهمية خاصة بحكم موقعها على الممر المؤدي إلى باب المندب وفي مواجهة جزيرة ميون، بما يمنحها وزناً عسكرياً يتجاوز حدودها الجغرافية.

وبحسب مصادر عسكرية نقلت عنها تقارير صحفية، تركزت تحركات القوات المناوئة للحوثيين بعد التطورات الأخيرة على حماية الوحدات التي أعادت تموضعها في محيط رأس العارة، بالتوازي مع بحث خطط المرحلة المقبلة وإنشاء ترتيبات قيادة وعمليات مشتركة لمعالجة الاختلالات التي ظهرت خلال المعارك.

تحركات عسكرية تمتد إلى جبهات أخرى

بالتوازي مع التطورات في الساحل الغربي، تحدثت تقارير عن استمرار التحركات العسكرية في جبهات أخرى.

ففي شرق البلاد، هدأ إيقاع المعارك نسبياً، مع سعي القوات الحكومية إلى إحداث اختراق خلف معسكر اللبنات بما يفتح الطريق نحو مدينة الحزم، مركز محافظة الجوف، بعد أيام من المواجهات التي حاولت خلالها القوات الحكومية استغلال انتقال جزء من الثقل البشري والقتالي الحوثي نحو الساحل الغربي.

كما تواصلت المواجهات في جبهات أخرى، بينها البيضاء والضالع، فيما استعادت القوات المسلحة مواقع كانت المليشيا تسللت إليها غربي محافظة تعز، وواصلت تقدمها باتجاه مناطق جديدة، بالتزامن مع غارات للقوات الجوية استهدفت تجمعات وتعزيزات في أنحاء متفرقة من المحافظة؛ وقال مصدر عسكري، إن القوات استعادت مواقع مطلة على منطقة جرداد بمديرية الشمايتين، وتقدمت باتجاه منطقة غيل بني عمر، في إطار عمليات متواصلة تهدف إلى طرد المليشيا الحوثية من المحافظة.

وبحسب المصادر، دارت معارك كر وفر في المنطقة قبل أن تستعيد القوات الحكومية مواقعها، بالتزامن مع تنفيذ أكثر من 20 غارة جوية على مواقع للحوثيين في محافظة البيضاء.

وفي مأرب، رفعت القوات الحكومية مستوى الاستعداد تحسباً لأي محاولة حوثية لتكرار سيناريو الساحل الغربي، في جبهة ظلت طوال سنوات الحرب واحدة من أكثر الجبهات حساسية.

إعادة بناء غرفة العمليات والضربات الجوية

وتقول مصادر صحفية إن الحكومة الشرعية تعاملت مع تداعيات التطورات في المخا عبر مسارين متوازيين.

الأول تمثل في تكثيف الضربات الجوية ضد تحركات ومواقع الحوثيين، ضمن ما أُطلق عليه «صندوق القتل»، وسط حديث عن تنفيذ مئات الغارات التي أوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوف المليشيا.

أما المسار الثاني، فيتعلق بإعادة ترتيب إدارة العمليات ميدانياً، مع استمرار اجتماعات قادة القوات المتمركزة على خطوط التماس قرب باب المندب، بمشاركة ممثلين عن وزارة الدفاع وألوية العمالقة ودرع الوطن والمقاومة الوطنية، لبحث إدارة المعركة على محور رأس العارة–خور عميرة وخطط المرحلة المقبلة.

ونقلت مصادر عسكرية أن التعامل مع التطورات اتسم بالتريث ودراسة الخيارات المتاحة، ومن بينها إنشاء غرفة عمليات مشتركة لمعالجة الاختلالات القيادية والعملياتية التي ظهرت خلال المرحلة السابقة.

أكثر من 9 آلاف أسرة أمام موجة نزوح جديدة

ولم تقتصر تداعيات التصعيد على الجانب العسكري، إذ أفرزت المواجهات موجة نزوح جديدة.

وبحسب تقارير صحفية، تسبب التصعيد في تشريد أكثر من 9 آلاف أسرة في ست محافظات، وسط فجوة إغاثية حادة ونقص في المأوى والمياه والغذاء والرعاية الصحية.

وتأتي هذه الاحتياجات الإنسانية في وقت تشهد فيه الجبهات تحشيداً مستمراً، ما يضع المناطق المتأثرة بالنزوح أمام ضغوط إضافية، خصوصاً مع استمرار إعادة انتشار القوات وتغير خطوط التماس.

من جبهة يمنية إلى ورقة في الصراع الإقليمي

تتجاوز أهمية التطورات الأخيرة المكاسب والخسائر الميدانية المباشرة، بالنظر إلى ارتباط الساحل الغربي بأمن مضيق باب المندب ومستقبل الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

ويحذر خبراء من أن تثبيت الحوثيين لأي حضور عسكري مستقر بالقرب من المضيق قد ينقل طبيعة التهديد من الاستهداف عن بُعد إلى وجود مباشر على الضفة اليمنية للممر الدولي.

كما تربط تحليلات بين اندفاعة الحوثيين الأخيرة نحو الساحل وحسابات إقليمية أوسع، في مقدمتها المصالح الإيرانية ومحاولة توظيف الممرات المائية ضمن أوراق الضغط المرتبطة بملفات طهران الإقليمية والدولية.

وتمنح السيطرة على أجزاء من الشريط الساحلي، وفق هذه القراءات، الحوثيين أوراق ضغط سياسية وعسكرية إضافية، بعد سنوات اعتمدت فيها المليشيا بدرجة كبيرة على الصواريخ والطائرات المسيرة لتهديد خصومها في الداخل اليمني والإقليم والممرات البحرية.

ومن بين المخاطر التي يحذر منها خبراء أيضاً احتمال فتح مسارات جديدة لتهريب الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين، بعد سنوات من القيود التي فرضها انتشار القوات اليمنية على أجزاء من الساحل الجنوبي للبحر الأحمر، وأسهم في اعتراض شحنات أسلحة ومعدات عسكرية كانت في طريقها إلى المليشيا.

مرحلة اختبار جديدة

يأتي تشكيل «قوة المقاومة التهامية» في لحظة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الجغرافية والإقليمية والإنسانية.

فالهدف العاجل بعد التراجع الميداني الذي شهده الساحل يتمثل في منع امتداد الاختراق، والحفاظ على القوات، وإعادة بناء خطوط دفاع أكثر تماسكاً؛ أما التحدي الأكبر فيكمن في تحويل إعادة الانتشار إلى عملية تنظيم قادرة على استعادة المبادرة ومنع الحوثيين من تثبيت مكاسبهم وتحويلها إلى واقع دائم.

ولا يعني تشكيل القوة التهامية بحد ذاته إعلاناً عن معركة وشيكة لاستعادة المخا، لكنه يمثل، وفق تسلسل الأحداث، خطوة واضحة نحو إعادة بناء الجبهة وإعادة تعريف أدوارها وقيادتها.

وتبقى قدرة هذه الخطوة على تحقيق أثر ميداني حقيقي رهينة بمدى نجاح مختلف القوى المناوئة للحوثيين في تنسيق عملياتها وتوحيد جهودها وتأمين خطوط الإمداد، بالتوازي مع التعامل مع التهديد المتزايد حول باب المندب.

وبذلك، لا تبدو معركة الساحل الغربي مجرد فصل عسكري منفصل في الحرب اليمنية؛ فالجغرافيا الممتدة من تعز عبر الساحل إلى باب المندب تجعل أي تغير في خطوط السيطرة هناك ذا انعكاسات تتجاوز حدود اليمن، لتلامس أمن الملاحة والتجارة والطاقة، وتضع الجبهة اليمنية مجدداً في قلب الحسابات الإقليمية والدولية.

ذات صلة