أعادوه إلى منصبه ثم أخفوه!.. قضية المهندس منير تكشف زيف أوهام التعايش مع الحوثيين
لم أكن لأصدق أن جماعة الحوثي اعتقلت المهندس منير محمد عبدالله المقطري، مدير كهرباء الشمايتين، لولا أن قرأت منشورات لأقاربه تؤكد أنها خطفته من أمام منزله في "المحطة"قرب جبل صبران في 21 أكتوبر الجاري، وأن أسرته لا تعرف حتى الآن أين تحتجزه.
منير ليس شخصا عاديا في المنطقة. رجل نبيل، خدوم، وصاحب تجربة طويلة في إدارة الكهرباء، ويحظى باحترام أصدقائه ومعارفه. لذلك يثير اعتقاله وإخفاؤه قسرا سؤالا مشروعا: ما الذي يريده الحوثيون من رجل بهذه الصفات؟
بعد نحو خمسة أيام من دخول الحوثيين إلى التربة، التقيت منير هناك. أخبرني أن الإدارة العامة للكهرباء في صنعاء أعادته إلى منصبه السابق مديرا لكهرباء الشمايتين، بعد أن أبعدته السلطة المحلية عنه.
بدا راضيا عن الحوثيين، وأشاد بجدّيتهم في تحقيق الأمن والاستقرار، ورأى في إعادته دليلا على تقديرهم للكفاءات. ثم استأذنني قائلا إنه ذاهب إلى اجتماع معهم في الفندق.
خرجت من اللقاء بشعور من الحسرة. كنت أخشى أن تسهم ثقته بالحوثيين في تطبيع وجودهم بين الناس، خصوصا أنه رجل يحظى باحترام حقيقي، ويتحدث من موقع الكفاءة والخدمة العامة. لكنني لم أملك أن أحكم على دوافعه، وقلت لنفسي إن الأيام ستكشف له ولغيره حقيقة الجماعة.
بعد أيام، التقينا مجددا في بوفية الظافري بمدينة التربة. قال إن الأمور جيدة، وإن الحوثيين دخلوا بقوة ولن يرحلوا سريعا، ونصحني بالتوقف عما وصفه بالجنون، والتعايش مع الواقع. وحين سألته عن موقفه من دعوة الزميلة منى صفوان إلى التعايش معهم، أجاب بثقة أن ذلك هو الحل الوحيد.
لذلك لم أستوعب خبر اعتقاله بسهولة. تساءلت إن كان الأمر مسرحية، لأنني في الحقيقة بدأت أشك أنه أصبح جزءا من منظومة الحوثيين في المنطقة.
لكن معلومات لاحقة غيّرت فهمي لما حدث. فقد أكد لي صديق مقرب من منير، أن ملاحظاتي لم تكن بعيدة عما جرى، وكشف أن منير رفض إملاءات حاول الحوثيون فرضها عليه تتعلق باستخدام مؤسسة الكهرباء لأغراض عسكرية. ويبدو أنهم أعادوه إلى منصبه وهم يتوقعون منه تنفيذ ما يريدون، ثم اصطدموا برفضه.
لا أملك كل التفاصيل، ولا أستطيع الجزم بكل ما دار بينه وبين الجماعة. لكن هذه الرواية، إذا تأكدت، تضع اعتقاله في سياق مختلف تماما:
لقد أعادوه إلى منصبه لأنهم رأوا فيه كفاءة يمكن الاستفادة منها، ثم اعتقلوه حين رفض تسخير المؤسسة التي يديرها لأغراضهم العسكرية.
وهنا تكمن خطورة ما حدث. فالتعامل مع سلطة أمر واقع أو تجنب الصدام معها شيء، والتسليم لها بتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات عسكرية شيء آخر.
والأخطر أن منير، بحسب ما أعرفه عنه، لم يكن من أصحاب المواجهة الصاخبة مع الحوثيين. كان يتحدث عن التعايش، ويتوقع بقاءهم سنوات، وينصح الآخرين بالتعامل مع الواقع. ومع ذلك، لم تحمه هذه المواقف من الاعتقال.
وهذا ما يجعل قضيته مقلقة لأبناء الحجرية جميعا. فإذا كان رجل بخبرته المهنية وعلاقاته الاجتماعية قد وجد نفسه في السجن بعد أن أعيد إلى منصبه، فما الذي يمكن أن يتوقعه من يرفضون الجماعة علنا، أو يوثقون انتهاكاتها، أو يرفضون تجنيد أبنائهم وتسخير مواردهم لخدمة الحرب؟
لا يعني ذلك أن مصير الجميع سيكون واحدا، لكنه يكشف خطورة الاعتقاد بأن الصمت أو المجاملة أو التكيف مع الأمر الواقع يوفر ضمانة دائمة للسلامة.
لا أريد أن أحوّل محنته إلى انتصار لرأيي أو إلى مناسبة للومه على تقديراته السابقة.
ما يهمني الآن هو حياته وحريته، وحق أسرته في معرفة مكانه والاطمئنان عليه.
منير المقطري ليس مطالبا بإثبات أنه كان على صواب في تقدير الحوثيين، ولا نحن مطالبون بإدانته لأنه أخطأ في تقديرهم.
المطلوب أن يُكشف مكان احتجازه، وأن يُفرج عنه، وأن تتوقف الجماعة عن اعتقال الناس وإخفائهم خارج القانون.
إن قضية منير إنذار لأبناء الحجرية: قد نختلف في تقدير الجماعة أو في جدوى التعايش معها، لكن لا ينبغي أن نختلف على حق الناس في الحرية، وعلى رفض استخدام المؤسسات المدنية لخدمة الحرب، وعلى حماية كل من يتعرض للاعتقال التعسفي والإخفاء القسري.
القضية تتجاوز منير المقطري نفسه؛ إنها قضية احق الناس في الخدمات، وحدود ما تريده الجماعة من المؤسسات والمجتمع في الحجرية.