اليمن في خضم التصعيد الإقليمي.. والحوثيون يعلنون الاستنفار والطوارئ
- خاص- الساحل الغربي:
- منذ 5 ساعات
لا يمكن قراءة إعلان مليشيا الحوثي رفع الجاهزية في قطاعات الطوارئ بمعزل عن السياق الإقليمي المتوتر، ولا عن الدور الذي لعبوه في ربط اليمن بمحاور صراع تتجاوز حدوده.
فالإجراء الذي قُدم بوصفه استعداداً لمواجهة حالات طارئة داخلية، يتقاطع زمنياً وسياسياً مع تصاعد التهديدات المرتبطة بالملف النووي الإيراني واحتمالات المواجهة العسكرية في المنطقة، ما يعزز الانطباع بأن المليشيا تدفع بالبلد ليكون جزءاً من منظومة ردع إقليمية، لا مجرد ساحة لإدارة الأزمات الداخلية.
انتقال الطوارئ من الخدمة إلى التعبئة
اجتماع لجنة الطوارئ التابعة للحوثيين، وما تبعه من إجراءات لتعزيز الجاهزية المركزية والمحلية، يعكس انتقال مفهوم "الطوارئ" من إطار الخدمات العامة إلى إطار التعبئة السياسية والأمنية.
رفع جاهزية المستشفيات، وإلزام المرافق الطبية بتجهيز أقسام الطوارئ، وإجبار الكوادر الصحية على توقيع تعهدات بالحضور الفوري، لا يشير فقط إلى الاستعداد لكارثة محتملة، لكنه يكشف نمط إدارة سلطوي قائم على الإلزام والإكراه بدلاً من التنظيم المؤسسي.
عسكرة الفضاء المدني
تخصيص المدارس والمنشآت العامة كملاجئ للمدنيين يعكس تصوراً أمنياً للحماية يقوم على تحويل البنية المدنية إلى فضاء عسكري طارئ دائم.
ورغم أن الإجراء يبدو احترازياً، فإنه يثير تساؤلات حول حدود حماية المدنيين مقابل عسكرة الفضاء المدني، خصوصاً في بيئة تعاني هشاشة البنية التحتية وتعطل الخدمات نتيجة سنوات الحرب الطويلة.
ارتباط مباشر بحسابات إيران الإقليمية
التزامن بين هذه الإجراءات والتصعيد المرتبط بـ إيران ليس تفصيلاً بريئاً؛ فقد أعلنت المليشيا مراراً استعدادها للانخراط في أي مواجهة تستهدف طهران ضمن ما تسميه "محور المقاومة".
وبذلك يتحول الاستنفار الداخلي إلى امتداد لحسابات إقليمية، ويصبح اليمن ساحة محتملة لتداعيات صراع لا تتحكم المليشيا بمساراته بقدر ما تسهم في استدعائه.
مؤشرات على سيناريوهات مواجهة محتملة
إدخال المجتمع في حالة تعبئة طوارئ، وتحويل المدارس إلى ملاجئ، واستدعاء عناصر الدفاع المدني والمتطوعين، كلها مؤشرات على توقع سيناريوهات ضربات جوية أو عودة المواجهات.
هذا يعكس إدراكاً لاحتمال انتقال الصراع الإقليمي إلى اليمن، لكنه يكشف أيضاً حجم المخاطر الناتجة عن سياسات ربط البلاد بصراعات خارجية.
إدارة الأزمات: التنظيم أم الإكراه؟
إلزام الكوادر الطبية بتعهدات خطية يكشف نمط إدارة للأزمات يقوم على الإكراه الإداري بدل بناء منظومة استجابة قائمة على الكفاءة والتخطيط.
ففي الدول المستقرة، يقوم الاستعداد للطوارئ على التدريب والجاهزية المؤسسية والشفافية.. أما في بيئة مليشياوية منهكة بانهيار الخدمات وتدهور القطاع الصحي، فإن هذه الإجراءات تعكس إدارة أزمة داخل أزمة.
ورغم الخطاب الحوثي حول تقليل الخسائر وتعزيز الدفاع المدني، يكشف الواقع الإنساني فجوة واسعة بين الخطاب والقدرة الفعلية على حماية المدنيين.
الطوارئ كأداة حكم
في الأنظمة التي تعيش صراعاً ممتداً، تتحول الطوارئ إلى أداة حكم دائمة؛ تبرر السيطرة، وتنظم المجتمع وفق منطق التعبئة، وتعيد ترتيب الموارد لخدمة أولويات الأمن والبقاء السياسي.
ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل إعلان الطوارئ عن وظيفته السياسية في ضبط المجال الاجتماعي وتعزيز خطاب الصمود في مواجهة تهديد خارجي، حتى لو كان هذا التهديد نتاج تشابكات إقليمية ساهمت المليشيا نفسها في ترسيخها.
بلد هش في قلب صراع أكبر
ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها اليمن نفسه في قلب صراعات تتجاوز حدوده، لكن الخطير اليوم هو احتمال إعادة إنتاج الدور ذاته؛ بلد هش يتحول إلى منصة رسائل سياسية وعسكرية، وساحة ضغط متبادلة، وورقة تفاوض في صراع إقليمي أوسع.
وفي خضم هذا المشهد، يبقى المواطن الحلقة الأضعف؛ ينتظر الفرج، بينما يُطلب منه التكيف مع اقتصاد الحرب، ثم الاستعداد لاحتمالات حرب إقليمية لا يملك قرار اندلاعها ولا التحكم بنتائجها.
قد تُقدم هذه الإجراءات بوصفها استعداداً لحماية المدنيين، لكنها في جوهرها تعبئة مرتبطة بحسابات إقليمية.
وما يصعب إنكاره هو أن السياسات التي تربط اليمن بمحاور الصراع تدفع البلاد نحو مزيد من الهشاشة، وتفتح الباب أمام فوضى إقليمية يدفع اليمنيون ثمنها أولاً وأخيراً.
في اليمن المنهكة بالأزمات، لم يعد السؤال ما إذا كانت المواجهة ستقع بل كم سيدفع اليمنيون ثمن تصعيد يتغذى على صراعات الخارج ويُدار على حساب الداخل.