خارج المشهد.. لماذا يغيب المهمشون عن الدراما اليمنية؟

  • الساحل الغربي، تقرير/ هاشم علي:
  • منذ ساعتين

سنويًا مع حلول شهر رمضان المبارك، تكتظ الشاشات اليمنية بالأعمال الدرامية التي تجذب ملايين المشاهدين، ورغم التنوع الظاهري في المواضيع والشخصيات، يظل هناك فجوة كبيرة في تمثيل شريحة أساسية من المجتمع اليمني، وهي فئة المهمشين، التي تغيب عن المشهد أو يُختزل حضورها في أدوار نمطية لا تعكس واقعهم اليومي المعقد، سواء في الريف أو المدن.

"الساحل الغربي" يسلط الضوء في هذا التقرير على واقع تمثيل المهمشين في الدراما اليمنية، ويستعرض أبعاد هذا الغياب، وتأثيره على وعي الجمهور، كما يعكس وجهة نظر هذه الشريحة عن الصورة التي تقدمها الأعمال الفنية عنهم، ويسعى إلى فهم الأسباب وراء هذا الغياب، ويطرح بعض الرؤى المستقبلية لإنتاج فني أكثر شمولًا وواقعية.


الواقع الدرامي.. غياب أو نمطية

رغم أن الدراما اليمنية الرمضانية شهدت في بعض السنوات ظهور شخصيات من الفئات المهمشة، إلا أن هذا الحضور غالبًا ما يكون محدودًا، ولا يتعدى أدوارًا نمطية تقلل من قيمة هذه الشريحة الاجتماعية، وتختزل تجربتهم الإنسانية المعقدة في قالب واحد بسيط.. هذا النمط من التمثيل يعكس نظرة ضيقة للواقع، ويترك الجمهور يتعامل مع المهمشين بشكل أحادي، بعيدًا عن فهم حياتهم اليومية وتحدياتهم الحقيقية.

بين الشخصية الطريفة والهزلية، تقتصر أدوار المهمشين في الدراما على شخصيات تُقدَّم كمصدر للضحك، وتصويرهم بطريقة مبالغ فيها في الحديث أو المواقف، بحيث يصبحون مجرد عنصر للتنمر والسخرية، بل وتحويل المهمشين إلى مجرد شخصيات هزلية الأمر الذي يحرم العمل الدرامي من فرصة تسليط الضوء على إنسانيتهم وطموحاتهم، وصراعاتهم اليومية، كما أنه يعزز من صور نمطية سلبية، تجعل المجتمع يراهم ككائنات هامشية بلا جدوى أو قدرة على التأثير.

ويأتي النمط الثاني المتكرر في تقديم المهمشين ضمن إطار الضحية الدائمة أو المتسول الذي يعتمد على الآخرين للبقاء، وفي هذا التصوير، يختزل العمل الدرامي الواقع الاجتماعي الصعب الذي يعيشه هؤلاء الأفراد، ويجعلهم يظهرون وكأنهم عاجزون بالكامل عن تغيير ظروفهم أو ممارسة أي نوع من الاستقلالية.. هذا النوع من التمثيل يخلق صورة نمطية ضارة، إذ يوحي للمشاهدين أن الفقر أو التهميش يعني ضعفًا دائمًا، وأن هؤلاء الأشخاص غير قادرين على المشاركة الفاعلة في المجتمع، ويقلل من التعاطف الحقيقي مع معاناتهم، ويحول قصصهم الإنسانية إلى مادة درامية نمطية لا تحمل أبعادًا واقعية.

فيما بعض الأعمال، تربط الفقر وقسوة الحياة بالممارسات غير القانونية، مثل السرقة أو التهريب، هذا الربط المباشر يساهم في وصم المهمشين، ويعزز فكرة أن قسوة الظروف هي السبب الوحيد لسلوكهم، وبالتالي فإن هذا التمثيل لا يعكس الواقع المعقد الذي يعيشه الكثير من المهمشين، حيث أن غالبيتهم يسعون للبقاء والكسب الشريف رغم التحديات.

ويؤكد كثيرون أن هذه النمطية تمنع صناع الدراما اليمنية من استكشاف قصص أكثر ثراءً وتعقيدًا، مثل الصراعات اليومية للبقاء، والبحث عن التعليم والعمل، أو دورهم في النسيج الاجتماعي رغم الفقر والتهميش، إضافة إلى ذلك، يساهم هذا الغياب أو التشويه في تعزيز الفجوة بين الطبقات، ويجعل المهمشين يشعرون بأن صوتهم وحكاياتهم غير مسموعة، وهو ما يقلل من التمثيل الثقافي لهم في المجتمع، ويؤثر على الوعي الجمعي بكيفية التعامل مع قضايا الفقر والهشاشة الاجتماعية.


شهادات المهمشين

موفد "الساحل" في تعز، أجرى مقابلات ميدانية مع عدد من الشباب والنساء لفهم واقع تمثيل المهمشين في الدراما اليمنية، وقد أظهرت هذه اللقاءات شعورًا واضحًا بالغياب والتشويه، حيث يرى هؤلاء أن الصورة التي يقدمها التلفزيون عنهم لا تعكس واقع حياتهم اليومية ولا تعطيهم مكانتهم الاجتماعية الحقيقية.

سامي، شاب في العشرينات من عمره، يعيش في أحد الأحياء بمدينة تعز، تحدث عن إحساسه بالإقصاء من السرد الدرامي: "دائمًا يتم تصويرنا باعتبارنا فئة مهمشة أو نؤدي مهن يراها المجتمع حقيرة، بينما نحن لدينا أحلام ومشاكل يومية حقيقية، مثل البحث عن عمل أو تعليم الأطفال".

ويشير سامي هنا إلى أن الدراما تختزل المهمشين في قالب هزلي أو سلبي، وتغفل جوانب حياتهم الحقيقية، بما فيها الطموح، التعليم، والعمل، ويمثل ذلك فقدانًا للتمثيل الواقعي، إذ يشعر المهمشون بأن أصواتهم وتجاربهم غير مسموعة، وأن الدراما تصنع صورة مشوهة لهم في وعي المجتمع.

فاطمة هي الأخرى، تشعر أن الدراما اليمنية تتجاهل معاناتهم اليومية: "نحن جزء من المجتمع لكننا نُعرض فقط كضحايا أو شخصيات ثانوية".. تعكس كلمات هذه المرأة إحساسًا بالتمييز الاجتماعي الثقافي في التمثيل الدرامي، حيث يتم تصوير المهمشين كشخصيات هامشية أو ثانوية لا تؤثر على مسار الأحداث، وهذا النوع من التمثيل يعزز شعورهم بالعزلة ويجعل المجتمع يتعامل مع حياتهم اليومية وكأنها غير مهمة أو بلا قيمة.

تجمع هذه الشهادات على أن المهمشين يشعرون بأن التمثيل الإعلامي لهم يكرس صورًا نمطية مغلوطة، مؤكدين أن أي محاولة لإنتاج دراما شاملة وواقعية يجب أن تبدأ بالاستماع للمهمشين أنفسهم، وفهم مشكلاتهم وأحلامهم وأبعاد حياتهم الإنسانية، فإدراج هذه الأصوات في النصوص والحوارات يمكن أن يحول الأعمال الدرامية من مجرد ترفيه نمطي إلى مرآة واقعية للمجتمع، تساهم في تعزيز الوعي الاجتماعي والعدالة الثقافية.

 

أثر التهميش

غياب المهمشين أو تمثيلهم بطريقة نمطية في الدراما لا يؤثر فقط على الصورة الذهنية للجمهور، بل يمتد تأثيره ليشمل أبعادًا ثقافية واجتماعية ونفسية أعمق، فالدراما، باعتبارها مرآة المجتمع، تتحمل جزءًا من المسؤولية في تعزيز أو تقويض حضور هذه الفئة في الوعي الجماهيري.

يقول مراقبون إن تأثير غياب هذه الفئة يتضح في عدة مستويات، فمن الناحية الثقافية، يؤدي غياب المهمشين أو تصويرهم بصورة نمطية إلى تقليل تنوع الشخصيات والقصص في الأعمال الدرامية، هذا الاختزال يجعل الدراما اليمنية تفتقر إلى الأصالة والواقعية، ويقلل من قدرتها على تقديم سرد شامل يعكس كل طبقات المجتمع، ويجعل الجمهور يعتاد على رؤية المجتمع من منظور محدود وغير مكتمل.

وينعكس غياب المهمشين من الدراما على مستوى المشاركة المجتمعية والوعي الاجتماعي، فعندما لا تُعرض قصصهم وتحدياتهم، يصبح صوتهم غائبًا عن النقاش العام، ويُترك المجتمع يتعامل مع مشاكل الفقر والهشاشة على أنها قضايا هامشية أو غير مهمة.. هذا الإقصاء يساهم في تعزيز الانقسام الطبقي، حيث يشعر المهمشون بأنهم خارج دائرة الثقافة الشعبية، وأن حياتهم وتجاربهم اليومية ليست قابلة للتمثيل الإعلامي، مما يضعف إحساسهم بالانتماء إلى النسيج الاجتماعي الأكبر.

وعلى الصعيد النفسي، يمكن أن يؤثر التمثيل النمطي على شعور هذه الفئة بالكرامة والاعتراف الاجتماعي، فعندما يرون أنفسهم في التلفزيون دائمًا كضحايا يزداد شعورهم بالهامشية والعزلة، ويصبحون أقل قدرة على الاعتداد بأنفسهم أو التعبير عن واقعهم بطرق فعالة، فالدراما لا تعكس الواقع فحسب، بل تشكل أدوات للتربية الثقافية والاجتماعية، ومن ثم فإن الغياب النمطي للمهمشين يساهم في ترسيخ انطباعات سلبية لدى الجمهور وفي نفس الوقت يُضعف من صمود الفئات المهمشة أمام التهميش المجتمعي المستمر.

 

عوامل وأسباب

تتعدد الأسباب التي تجعل المهمشين غائبين أو ممثلين بصورة نمطية في الدراما اليمنية، وفي مقدمتها الاعتبارات الإنتاجية، إذ يميل المنتجون إلى التركيز على الشخصيات التي يُعتقد أنها أكثر جاذبية تجاريًا وقادرة على جذب الإعلانات والمشاهدات، ما يجعل الاعتبارات الربحية تتقدم على الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، كما أن تصوير قصص تدور في بيئات فقيرة أو نائية يتطلب كلفة وجهدًا إضافيين، الأمر الذي يدفع صناع الدراما إلى تفضيل مواقع وأفكار تقليدية بعيدة عن الواقع الفعلي الذي يعيشه المهمشون.

أما على مستوى الكتابة، فإن البنية الثقافية والفكرية للنصوص تلعب دورًا مهمًا في تكريس النمطية، فغالبية الكُتّاب ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة عن الفئة المهمشة، ما يحدّ من احتكاكهم المباشر بتجارب هذه الفئة، وهذا البعد المعرفي يؤدي إلى إنتاج شخصيات سطحية تعتمد على قوالب جاهزة، بدلًا من بناء شخصيات متعددة الأبعاد تعكس تعقيد الواقع الاجتماعي.

ويرى كثيرون أن نقص الوعي بالمضمون الاجتماعي يبرز كعامل مؤثر في غياب المهمشين، فغياب الاستشارة المتخصصة في علم الاجتماع أو التنمية يؤدي إلى تصوير غير دقيق لحياة المهمشين، ويجعل الأعمال تعتمد على انطباعات عامة بدلًا من فهم معمق للواقع، ونتيجة لذلك، تتسع الفجوة بين التصور الفني والواقع الاجتماعي، فتفقد الدراما قدرتها على تقديم سرد شامل ومؤثر يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع اليمني.

 

تشجيع المنتجين
دور وسائل الإعلام

يلعب الإعلام والنقاد دورًا محوريًا في توجيه صناع الدراما ومنتجي المسلسلات والأعمال الرمضانية نحو تمثيل أكثر عدلاً وواقعية للمهمشين، فالدور الإعلامي لا يقتصر على نقل الأخبار أو تقييم جودة الإنتاج الفني فحسب، بل يمتد إلى التأثير على الوعي الجمعي وتشكيل توقعات الجمهور وصناع الدراما تجاه الشخصيات المهمشة.

ويستطيع النقاد والمحللون الدراميون تسليط الضوء على غياب المهمشين أو تشويه صورتهم في الأعمال التلفزيونية من خلال النقد الفني المدروس والمبني على رؤية اجتماعية، يمكن توعية صناع المحتوى بالمخاطر المرتبطة بالصور النمطية، وتشجيعهم على تطوير نصوص وشخصيات أكثر عمقًا وإنسانية، فالنقد البناء يساهم في خلق حوار مجتمعي حول القضايا التي تتناول المهمشين، ويحفز المنتجين والمخرجين على إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها تمثيل هذه الفئة في الدراما.

ويمكن لوسائل الإعلام أيضًا الترويج للأعمال التي تقدم صورة واقعية للمهمشين، سواء كانت مسلسلات رمضانية أو إنتاجات قصيرة عبر الإنترنت، فالتغطية الإعلامية للأعمال الشاملة تشجع المنتجين على الاستثمار في قصص حقيقية ومؤثرة، لأنها تصبح أعمالًا قادرة على جذب الجمهور والمعلنين معًا.. هذا النوع من الدعم الإعلامي يمكن أن يحفز صناعة الدراما على تبني نهج أكثر شمولًا، يجعل الشخصيات المهمشة جزءًا طبيعيًا من السرد الفني، بدلًا من الاكتفاء بعرضها كعنصر ثانوي.


فرصة المشاركة
الشعور بالإنتماء

غياب المهمشين عن الدراما اليمنية ليس مجرد مسألة فنية تتعلق بجودة النصوص أو الإخراج، بل هو انعكاس لتركيبة اجتماعية وثقافية وسياسية أوسع، إذ يمثل هذا الغياب انعكاسًا للانقسامات الطبقية، والتمييز الاجتماعي، والافتقار إلى تمثيل شامل في وسائل الإعلام، ما يجعل حياة هذه الفئات غير مرئية أو مجرد مادة كوميدية أو مأساوية.

يقول كثيرون إن إدراج المهمشين في الأعمال الفنية بشكل عميق وواقعي لا يعكس الواقع الاجتماعي فحسب، بل يعزز من ثراء الدراما ويمنحها بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا أصيلًا، يجعلها أكثر قدرة على الوصول إلى قلوب وعقول الجمهور، من خلال تقديم الشخصيات المهمشة كأفراد متعددين الأبعاد، يمتلكون طموحات وأحلامًا وتحديات حقيقية، تصبح الدراما وسيلة لتثقيف المجتمع وتوسيع دائرة التعاطف والوعي.

كما أن هذا التمثيل الواقعي يسهم في بناء وعي جماعي أكثر شمولًا وإنصافًا، ويتيح للمهمشين فرصة المشاركة في الخطاب الثقافي والاجتماعي، ويمنحهم شعورًا بالانتماء والاعتراف بهويتهم الإنسانية، وفي الوقت نفسه، يكون للجمهور فرصة لفهم التنوع الطبقي والاجتماعي الذي يكوّن المجتمع اليمني، وتقدير الصراعات اليومية التي تواجه هذه الفئة، سواء في الريف أو المدن أو مخيمات النزوح.

يؤكد مراقبون أنه في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتسارعة في اليمن، يمكن للفن أن يصبح أداة فاعلة ليس فقط للتسلية، بل للتغيير الاجتماعي والتأثير الثقافي، فتمثيل المهمشين في الدراما يمنحهم صوتًا طالما ظل غائبًا عن المشهد، ويحوّل الأعمال الفنية إلى منصة لتعزيز العدالة الاجتماعية والتعددية الثقافية.

ذات صلة