إيمـــان الإعمـــار.. أم أيديولوجيا الدمـــار؟
في اليمن اليوم ظاهرة لا تجدها في أي مكان آخر: تحويل الفقر إلى عقيدة. المواطن يطالب بالكهرباء فيُقال له إنه انجرف وراء المادة. يسأل عن راتبه فيُتهم بضعف الإيمان. هذا ليس خطاباً دينياً. هذا خطاب سيطرة.
الفكرة بسيطة وقديمة: أبقِ الناس جائعين يبقوا طائعين. المواطن الذي يلهث خلف رغيف الخبز من الفجر إلى الليل لن يجد وقتاً ليسأل: أين تذهب الإيرادات؟ من يتحكم بالموانئ؟ لماذا لا توجد ميزانية شفافة؟ الفقر هنا ليس قدراً نزل من السماء، بل قرار سياسي اتُّخذ على الأرض. صناعة محكمة هدفها إنتاج مواطن مشغول بلقمته عن حقوقه.
الأغرب هو ربط التنمية بالمؤامرة. يقولون لك: الرفاه مشروع صهيوني. السؤال الذي لا يجيبون عنه: هل ماليزيا دولة صهيونية؟ هل دول الخليج خانت الإسلام لأنها بنت اقتصاداً؟ هل إندونيسيا فقدت هويتها لأنها وفرت لمواطنيها حياة كريمة؟ الحقيقة أن من يخيّرك بين دينك وخبزك لا يريد لك أياً منهما. يريدك جائعاً لتطيع، وجاهلاً لتصدّق.
العالم لا يسمع الهتافات. لغة المصالح الدولية لا تقيس قوة الدول بعدد المسيرات في الشوارع، بل بحركة الموانئ، وحجم الصادرات، واستقرار العملة. الدول التي نجت من حروبها لم تنجُ بالشعارات، بل بالمصانع والمختبرات والبنى التحتية. السيادة ليست أن ترفع راية وتهتف ضد العالم، السيادة أن تملك اقتصادك فتملك قرارك.
واليمن ليس بلداً فقيراً. هذه كذبة كبرى. بلد يجلس على شريان التجارة العالمي، ويملك سواحل تمتد آلاف الكيلومترات، وطاقة شمسية ورياحاً لا تنضب، وكفاءات بشرية تنجح في كل مكان إلا في بلدها. اليمن بلد مُفقَر بالسياسة لا بالجغرافيا. ما ينقصه ليس المال، بل القرار. القرار بأن الإنسان أهم من الشعار، وأن البناء أشرف من الهدم.
شبع اليمني هو أخطر ما يهدد تجار الحروب. اليمني الذي يأكل ويتعلم ويعمل لن يقبل أن يكون حطباً في أتون صراعات لا ناقة له فيها. لهذا يقاومون كل مشروع تنموي، ويشيطنون كل حديث عن الرفاه. لأن الرفاه يعني الحرية، والحرية تعني نهايتهم.
السؤال لم يعد ترفاً فكرياً: هل نريد وطناً يبني أبناءه، أم أيديولوجيا تدفنهم؟ من يختار الشعار على حساب الإنسان سيجد نفسه وحيداً أمام التاريخ. واليمني يستحق أن يعيش لا أن يموت في سبيل وهم. الكرامة تبدأ حين يشبع الإنسان، لا حين يُقال له إن جوعه جهاد.
#أفق_الخلاص
#الخبز_فوق_الخنادق
#اليمن_الجديد