العيد في مأرب.. أضاحٍ بأسعار مرتفعة وسيولة غائبة

  • مأرب، الساحل الغربي، تقرير/ أحمد حوذان:
  • منذ ساعة

من قلب مدينة مأرب، حيث تلتقي آمال ملايين اليمنيين، يستقبل السكان عيد الأضحى بإصرار لافت على الفرح، وسط أسواق تمتلئ بالأضاحي وتغص بالمتسوقين، لكنها تصطدم بواقع معيشي معقد وارتفاع قياسي في الأسعار، في مدينة أصبحت ملاذاً لملايين النازحين الفارين من بطش الحرب وإرهاب المليشيا الحوثية.

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تشهد أسواق المواشي في مدينة مأرب حركة متزايدة مع توافد المواطنين لشراء الأضاحي، غير أن هذه الحركة تبدو هذا العام أقل نشاطاً مقارنة بالأعوام الماضية، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لدى كثير من الأسر.

ومن داخل سوق الغنم بمدينة مأرب، تبدو المشاهد متباينة بين باعة يحاولون إنعاش حركة السوق، ومواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار قبل المغادرة دون شراء، بسبب الغلاء وصعوبة الظروف المعيشية التي أثقلت كاهل المواطنين مع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

ورغم اقتراب العيد، إلا أن حالة الركود النسبي لا تزال تخيم على أجزاء واسعة من السوق، حيث يؤكد التجار أن الإقبال هذا العام لا يقارن بالمواسم السابقة، في وقت أصبحت فيه الأضحية بالنسبة لكثير من الأسر عبئاً مالياً يفوق قدرتها.

وخلال جولة ميدانية داخل سوق الأضاحي، أجرى مراسل الساحل الغربي لقاءات مع عدد من تجار المواشي والمواطنين، الذين أكدوا أن أسعار الأضاحي ما تزال مرتفعة بالنسبة للمواطن العادي، رغم انخفاض سعر صرف الريال السعودي مقارنة بالعام الماضي.

ويقول التاجر مراد عياش العطية إن السوق يشهد هذا العام ارتفاعاً واضحاً في أسعار بعض الأضاحي، مشيراً إلى أن بعض الكباش الكبيرة وصلت أسعارها إلى ما بين 500 و600 ألف ريال.

وأضاف: “العام هذا الأسعار غالية شوي وأكثر من العام الأول، وما فيش وارد غنم خارجية من الحبشة، ولو في وارد كان الناس تقدر تشتري بأسعار أخف”.

وأوضح أن أصغر الأضاحي تتراوح أسعارها ما بين 180 ألفاً و300 ألف ريال، وهي مبالغ يراها كثير من المواطنين مرتفعة في ظل الظروف الحالية وتراجع الدخل اليومي.

وأشار إلى أن ضعف حركة الاستيراد وارتفاع تكاليف النقل والأعلاف ساهمت جميعها في رفع أسعار المواشي، داعياً الجهات المعنية إلى التدخل لضبط أسعار الأعلاف وتخفيف الأعباء عن المواطنين والمربين.

وفي زاوية أخرى من السوق، تحدث التاجر أحمد مبخوت ناجي شويل عن تراجع حركة البيع والشراء خلال أغلب أيام الموسم، مؤكداً أن الحركة بدأت تتحسن نسبياً مع دخول العشر الأوائل من ذي الحجة.

وقال: “السوق كان بارداً قبل العشر، لكن الآن بدأ يتحرك، والأغنام غالية لأن المربين تعبوا عليها طول السنة”.

وأضاف أن كثيراً من مربي المواشي تحملوا أعباء كبيرة خلال موسم الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، موضحاً أن بعض الحزم العلفية وصلت أسعارها إلى ثلاثة آلاف ريال، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على أسعار الأغنام.

وأوضح قائلاً: “من يربي الأغنام يتحمل تعب سنة كاملة، وإذا باع برخيص سيخرج خسران، لأن أسعار العلف والنقل مرتفعة جداً”.

وأكد شويل أن السوق ما يزال يضم أضاحي بأسعار متفاوتة تناسب مختلف الفئات، داعياً المواطنين إلى الاطمئنان، ومشيراً إلى أن بعض الأضاحي تباع بأسعار تبدأ من 150 ألف ريال وما فوق بحسب الحجم والنوع.

وفي المقابل، عبّر مواطنون عن معاناتهم مع غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، مؤكدين أن كثيراً من الأسر أصبحت عاجزة عن توفير متطلبات العيد الأساسية، وفي مقدمتها الأضحية.

وتقول أم وائل، وهي نازحة تقطن في مدينة مأرب منذ سنوات، إنها لم تعد قادرة على شراء أضحية العيد بسبب الظروف الاقتصادية القاسية، موضحة أن همّها الأكبر بات يتركز في توفير الطعام والاحتياجات الأساسية لأطفالها.

وأضافت بحزن: “كنا قبل الحرب نضحي كل عيد، اليوم حتى قيمة الأضحية ما عاد نقدر نوفرها، وكل شيء أصبح غالي”.

أحد المواطنين قال إن أسعار الأضاحي هذا العام تمثل عبئاً كبيراً على الأسر محدودة الدخل.

وأضاف: “إلى الآن ما اشترينا أضحية، وأرخص أضحية تقريباً بمئتي ألف ريال، والمواطن اليوم يعيش أزمة مالية صعبة جداً”.

وأشار إلى أن كثيراً من الأسر باتت تخوض ما وصفها بـ”الحرب الاقتصادية” في سبيل توفير احتياجات أطفالها ومتطلبات الحياة اليومية، في ظل غياب فرص العمل وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

وفي مشهد آخر داخل السوق، يرى بعض التجار أن الأزمة لا تتعلق بارتفاع الأسعار فقط، بل بغياب السيولة المالية لدى المواطنين، مؤكدين أن الأسعار الحالية أقل مقارنة بالعام الماضي الذي شهد ارتفاعاً قياسياً في أسعار المواشي.

وقال أحد التجار: “العام الماضي وصلت بعض الكباش إلى مليون ريال وأكثر، أما الآن فبعضها يباع بين 450 و700 ألف، لكن المشكلة أن الناس ما معهم فلوس”.

وأضاف: “السوق متوفر فيه كل شيء، لكن حركة الشراء ضعيفة، والسيولة منعدمة عند كثير من المواطنين”.

وطالب عدد من التجار الجهات الحكومية بالرقابة على أسعار الأعلاف ودعم قطاع الثروة الحيوانية، مؤكدين أن أي انخفاض في تكاليف التربية سينعكس مباشرة على أسعار الأضاحي ويخفف العبء عن المواطنين.

وفي ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، ما تزال قيم التكافل الاجتماعي حاضرة بين أبناء المجتمع، حيث دعا عدد من المواطنين والتجار المقتدرين إلى مساعدة الأسر الفقيرة وتقاسم فرحة العيد مع المحتاجين.

وقال أحد المواطنين: “الأضحية سنة، واللي معه خير لا ينسى الناس المحتاجين والذين ما يقدروا يضحوا”، خصوصاً وأن مأرب أصبحت حاضنة لملايين اليمنيين الذين نزحوا من بطش الإرهاب الحوثي والحرب المستمرة منذ سنوات.

وأضاف آخر: “العيد ليس فقط بالذبيحة، العيد فرحة ورحمة وتعاون بين الناس، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة”.

ويؤكد مراقبون أن أسواق الأضاحي في مأرب لم تعد مجرد أماكن للبيع والشراء، بل تحولت إلى مرآة تعكس الواقع الاقتصادي والمعيشي الذي يعيشه اليمنيون، حيث تتقاطع معاناة النازحين والموظفين والعمال مع محاولاتهم المستمرة للحفاظ على طقوس العيد وفرحة الأطفال رغم الظروف القاسية.

ويبقى سوق الأضاحي في مأرب هذا العام صورة حقيقية تعكس حجم المعاناة الاقتصادية التي يعيشها المواطن اليمني، بين تمسكه بإحياء شعائر العيد والحفاظ على فرحة أسرته، وبين واقع معيشي قاسٍ جعل شراء الأضحية حلماً مؤجلاً لكثير من العائلات اليمنية.

وهكذا، يبقى عيد الأضحى في مأرب لوحة ترسمها قيم التكافل والتراحم؛ فرغم قسوة الظروف وعجز الكثيرين عن شراء الأضحية، تظل بهجة العيد حاضرة بتماسك الناس وإصرارهم على نبذ الهموم، صانعين من بساطة العيش فرحة لا تموت

ذات صلة